سنا مصر
أهلاً بك زائرنا الكريم فى منتداك سنا مصر
لو كنت هاوى ... لو كنت غاوى .....لو كنت ناوى

تعالى .............شاركنا .......رسالتنا
عقل صافى ....قلب دافى....مجتمع راقى



سنا مصر

منتدى اجتماعي ثقافي تعليمي
 
الرئيسيةالتسجيلدخول
ادارة المنتدى : ترجو كل مَن لديه مواد علمية أوتعليمية أن يشارك بها وله جزيل الشكر
مرحبا يا خطبة الجمعه - صفحة 2 060111020601hjn4r686 وليد السيد راضي خطبة الجمعه - صفحة 2 060111020601hjn4r686 نشكر لك إنضمامك الى أسرة منتدى سنا مصر ونتمنى لك المتعة والفائدة
أستغفر الله استغفاراً أرقى به بفضل الله و رحمته إلى درجات الأوابين


شاطر
 

 خطبة الجمعه

اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2
كاتب الموضوعرسالة
abdo mamdouh
مستشاراداري
مستشاراداري
abdo mamdouh

ذكر
عدد المساهمات : 2131
الدولة : مصر
وسام اوفياء المنتدى
تاريخ التسجيل : 13/03/2011
العمر : 25
الموقع : Ägypten
مزاجى : خطبة الجمعه - صفحة 2 665449037
المهنة : خطبة الجمعه - صفحة 2 Studen10

خطبة الجمعه - صفحة 2 Empty
مُساهمةموضوع: خطبة الجمعه   خطبة الجمعه - صفحة 2 I_icon10الإثنين 4 أبريل - 9:18

تذكير بمساهمة فاتح الموضوع :

بسم الله الرحمن الرحيم
.
.
الجمعه موعدنا

فى خطبه لشيخ فاضل من كبار علمائنا
حفظهم الله


خطبة الجمعه - صفحة 2 Gallery_1238003433
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

كاتب الموضوعرسالة
abdo mamdouh
مستشاراداري
مستشاراداري
abdo mamdouh

ذكر
عدد المساهمات : 2131
الدولة : مصر
وسام اوفياء المنتدى
تاريخ التسجيل : 13/03/2011
العمر : 25
الموقع : Ägypten
مزاجى : خطبة الجمعه - صفحة 2 665449037
المهنة : خطبة الجمعه - صفحة 2 Studen10

خطبة الجمعه - صفحة 2 Empty
مُساهمةموضوع: رد: خطبة الجمعه   خطبة الجمعه - صفحة 2 I_icon10الجمعة 22 يوليو - 13:41

مفاتيح الرزق


الخطبة الأولى

أما بعد: إن الله جل جلاله، خلق الخلق، وتكفل برزقهم وقوتهم، فآواهم وأعطاهم وأمدهم، فهذه تسعة من جوانب عقيدة المسلم في باب الرزق.
أولاً: إن الله سبحانه وحده هو الرزاق ذو القوة المتين، قال الله تعالى: ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ [الروم:40]، وقال تعالى: قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مّنَ ٱلسَّمَاء وَٱلأرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ ٱلسَّمْعَ وٱلاْبْصَـٰرَ [يونس:31]، وقال جل ذكره: وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَزْوٰجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مّنَ ٱلطَّيّبَاتِ أَفَبِٱلْبَـٰطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ ٱللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ [النحل:72]. إذاً كل ما بيد المسلم في هذه الدنيا فهو من رزق الله له، أموال وبنين، بيوت ودور، مزارع وقصور صحة وعافية، كلها وغيرها من تمام رزق الله لعبده في الدنيا.
ثانياً: رزق الخلق في الدنيا من صفات الله الدالة على كمال ربوبيته وقيوميته، انظر إلى ما خلق الله في هذا الكون، تجده كله مرزوقاً متقلباً في رزق الله.
ثالثاً: إن من لوزام مقتضيات الإيمان بالقضاء والقدر، في عقيدة المسلم، في باب الرزق، أن كل خير وكل رزق يقدره الله للعبد، لا يمكن أن يخطئه ويستحيل أن يصيب غيره، قال الله تعالى: وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي ٱلأرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِى كِتَابٍ مُّبِينٍ [هود:6]. لقد تكفل الله برزق الخلق عندما خلقهم، فلم يتركهم سبحانه هَمَلاً، ولم يتركهم جياعاً عطاشاً، بل قدر لهم مقاديرهم، وكتب لكل نفس رزقها ولن تموت يا عبد الله، اعلم أنك لن تموت حتى تستكمل الرزق الذي كتبه الله لك.قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ((إن نفساً لن تموت حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب)) [السلسلة (2866)].
إن رزقك يا عبد الله كتب لك بالدقة، حتى القرش حتى اللقمة، وأنت في بطن أمك، أَرْعِني سمعك وافهم هذا الحديث، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون مثقفة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه ملكاً، ويؤمر بأربع كلمات، ويقال له، اكتب عمله و رزقه وأجله، وشقي أو سعيد ثمُ ينفخ فيه الروح)) رواه البخاري ومسلم.
فوالله الذي لا إله إلا هو، لو اجتمعت الدنيا كلها، بقضِّها وقضيضها، وجيوشها ودولها، وعسكرها وملوكها وأرادوا أن يمنعوا رزقاً قدره الله لك، ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، ولو أرادوا أن يسقوك شربة ماء، لم يكتبْه الله لك، فإنك ستموت قبل هذه الشربة.
رابعاً: وأيضاً من جوانب الاعتقاد في الرزق، أن تقسيم الأرزاق بين الناس، لا علاقة له، بالحسب ولا بالنسب، ولا بالعقل والذكاء، ولا بالوجاهة والمكانة ولا بالطاعة والعصيان، وإنما يوزع جل جلاله رزقه على عباده، لحكمة هو يعلمها، فقد يعطي المجنون، ويحرم العاقل، وقد يعطي الوضيع، ويمنع الحسيب.
ولو كانت الأرزاق تجري على الحجـا هلكـن إذاً من جهلهـن البهائـم
ولم يجتمـع شـرق وغـربٌ لقاصد ولا المجد في كف امرئ والدراهـمُ
فإذا أُعطيتَ يا عبد الله، فلا تظن بأن هذا الرزق قد سيق إليك لأنك من قبيلة كذا، أو لأنك تحمل الجنسية الفلانية، أو لأنك أذكى من غيرك، لا، وإنما هذه أرزاق يقسمها مالك السماوات والأرض، لِحِكَمٍ هو يعلمها.
خامساً: إن الرزق يُجرىَ للعبد، ليستعين به على طاعة ربه، قال شيخ الإسلام ابن تيمة رحمه الله: "إنما خلق الله الخلق، ليعبدوه، وإنما خلق الزرق لهم، ليستعينوا به على عبادته".
إذن يعطيك الله سبحانه ما أعطاك لتلهوَ وتلعب به، وتنسى الدار الآخرة، الذي من أجله خلقت ولأجله أُعطيت، لا يا عبد الله، إن الله أعطاك ما أعطاك، لتستعين به على عبادته، لا لتستخدمه في محرماته. إن أولئك الذين يستخدمون مال الله، فيما حرم الله، وينهكون الصحة والبدن والعافية، التي هي من أَجَلِّ زرق الله، ينهكونه ويسخرونه في شهوات حرمها الله عليهم، هؤلاء بماذا وكيف يجيبون إذا سئلوا يوم القيامة؟
بماذا يجيب الذي يستخدم رزق الله، في سفرات محرمة، وجلسات مشبوهة؟
بماذا يجيب من يستخدم رزق الله، في إدخال آلات ووسائل محرمة إلى بيته، تستقبل العهر والفاحشة من شرق الدنيا وغربها.بل قبل وبعد هذا؟
بماذا يجيب من يستخدم رزق الله في محاربة دين الله؟
بماذا يستجيب من يستخدم رزق الله في محاربة أولياء الله؟
بماذا يستجيب من يستخدم رزق الله في التمكين لأعداء الله؟
إذاً فلْيُعِدَّ كلٌ لسؤال ذلك اليوم جوابا.
سادساً: كثيراً ما يُربط في القرآن بين رزق الله للعباد، وبين مطالبة العباد للإنفاق في سبيل الله، من ذلك الرزق، الذي تفضل هو به عليهم، يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوٰلُكُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَـٰكُمْ مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ فَيَقُولُ رَبّ لَوْلا أَخَّرْتَنِى إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ وَلَن يُؤَخّرَ ٱللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المنافقون:9-11].
وكثيراً ما يصف الله سبحانه المؤمنين بأنهم مما رزقناهم ينفقون، قال الله تعالى: قُل لّعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ يُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَيُنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّا وَعَلانِيَةً [إبراهيم:31]، وقال تعالى: وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرّا وَجَهْرًا [النحل:75]، وقال سبحانه: ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ [الأنفال:3]، ما دلالة هذه الآيات؟
إن هذه الآيات وأمثالها تدل على أن من المقاصد الأساسية لرزق الله للعبد، هو أن يُتعَبَّدَ اللهُ بهذا الرزق، ولهذا تجد أن الفقهاء يذكرون في كتب الفقه، أنّ على العباد، عبادات مالية، ويضربون لذلك مثلاً الزكاة، وعبادات بدنية كالصلاة، ونوع ثالث تجتمع في العبادات البدنية والمالية، ويضربون لذلك مثلاً بالحج. فأنت تنفق من رزق الله وتصرف في الحج تتعبد بذلك لله.
إذاً من المقاصد الأساسية لرزق الله، هو التعبد لله به، بالنفقة والزكاة والصدقة والوقف وبإطعام الطعام، والهدية، والهبة، فهذه كلها وغيرها ينفقها المسلم من رزق الله، تعبداً لله.
كل هذا ليس بغريب، لكن الغريب هو العكس أن لا يتَعَبَّدَ العبدُ الله من رزقٍ لله، والعجيب أن يمسك العبد عن العطاء لله، من رزق الله.هذا هو الغريب.
سابعاً: ومن عقيدة المسلم في الرزق، أن الله جل وعز، فضل بعض الناس على بعض في الرزق، فأعطى هذا وبسط له الكثير، وأعطى ذاك أقل منه، وحرم الثالث فلم يعطهِ شيئاً. قال الله تعالى: وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِى ٱلْرّزْقِ [النحل:71]، وهذا ليس بغريب وليس بسر، لكن من لطيف أسرار الرزق، أنك تجد الأول الذي بُسط له في الرزق، ويملك الكثير، لا يشعر بذلك، بل يشعر أنه محروم يملك، لكن حياته جحيم، يملك، ويعيش حياة من لا يملك.
والآخر، الذي أعطِيَ القليل وفي كثير من الأحيان لا يكفيه، ولا يكفي عياله، ومع ذلك يرى أنه قد أوتي خيراً كثيراً، وأنه رُزق رزقاً عظيماً.ما السر في ذلك أيها الأحبة؟
السر، أن الرزقَ الحقيقي رزقُ القلب بالإيمان والقناعة، فمن رزقه الله القناعة، فقد أوتي خيراً كثيراً، وأحسَّ بالسعادة في دنياه قبل آخرته. كتب عمر رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه يقول له، "واقنعْ برزقك من الدنيا فإن الرحمن فضل بعض عباده على بعض في الرزق.
ثامناً: ومن العقائد المهمة في باب الرزق، أنه لا يُطلب إلا من الله، ولا يُسأل إلا وجهه الكريم، إذا سألت فاسألِ الله، وإذا استعنت فاستعِنْ بالله، ولذا ذمَّ الله تعالى أولئك الذين يدعون غيره في طلب الرزق، فقال سبحانه: وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مّنَ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأرْضِ شَيْئًا وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ [النحل:73]، وأمر جل وتعالى عباده المؤمنين بطلب الرزق عنده فقال: فَٱبْتَغُواْ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرّزْقَ وَٱعْبُدُوهُ وَٱشْكُرُواْ لَهُ [العنكبوت:17]. من طلب الله وسأله وبذل الأسباب وتوكل عليه، أعطاه الله، ظريفر له ما لا يتوقع، ورزقه من حيث لا يحتسب.وأتته الدنيا وهي راغمة.
وأما من التفت إلى غير الله، وتعلق قلبه بما في يد فلان وفلان، ظن أنهم سيعطوه، وترك سؤال الله، أذله الله، وحرمه ما تمنى ولم يأتِهِ من الدنيا إلا ما قُدِّرَ له. أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِى يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَل لَّجُّواْ فِى عُتُوّ وَنُفُورٍ [الملك:21].
أما علم ذلك أولئك الذين باعوا ذممهم لعرض من الدنيا قليل، وباعوا دينهم مقابل قطعة أرض، أو حفنة مال. إن أولئك الذين يلوون أعناق النصوص. ويستظهرون فتاوى ما أنزل الله بها من سلطان طمعاً في الدنيا، هؤلاء سيمحق الله بركة علمهم إذا كان عندهم علم، وسيمحق بركة العَرَض الذي نالوه، بل وسيمحق بركة حياتهم كلها، أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِى يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَل لَّجُّواْ فِى عُتُوّ وَنُفُورٍ.
تاسعاً: إن عطاء الله، وإغداقه سبحانه في الرزق على العبد، لا يدل على محبة الله لهذا العبد، ورضاه عنه وَمَن كَفَرَ فَأُمَتّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ [البقرة:126]، فلو وُسِّعَ عليك في رزقك، وأصبحت تربح الألوف بدل المئات، والملايين بدل الألوف، فلا تظن بأن هذا بسبب محبة الله لك، فالله قد يعطي الفجار أكثر من الأبرار، وقد يرزق الكافرين أضعاف أضعاف المسلمين، قال الله تعالى: وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءايَـٰتُنَا بِيّنَـٰتٍ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ أَىُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرِءياً قُلْ مَن كَانَ فِى ٱلضَّلَـٰلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَدّاً حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا ٱلعَذَابَ وَإِمَّا ٱلسَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضْعَفُ جُنداً وَيَزِيدُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱهْتَدَواْ هُدًى وَٱلْبَـِّقِيَـٰتُ ٱلصَّـٰلِحَـٰتُ خَيْرٌ عِندَ رَبّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ مَّرَدّاً [مريم:73-76].
وأَرْعِني سمعك ـ يا أخي ـ لحديث عقبة بن عامر في المسند، وهو حديث صحيح، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا، وهو قائم على معاصيه فليحذرْ فإنما هو استدراج)) ثم تلا قوله تعالى: فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلّ شَىْء حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَـٰهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ [الأنعام:44]. قال الله تعالى: فَأَمَّا ٱلإِنسَـٰنُ إِذَا مَا ٱبْتَلـٰهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبّى أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ٱبْتَلَـٰهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبّى أَهَانَنِ [الفجر:15، 16].
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه، واتباع سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم...





الخطبة الثانية



أما بعد: يشغل بالَ كثيرٍ من الناس، طلبُ الرزق، وكيف يكون؟ويلجأ بعضهم إلى طرق ملتوية ومحرمة للحصول على الأرزاق وما علم أولئك أن الحرام يمحق البركة، وجهلوا الأسباب الشرعية التي بها يُستجلب الرزق، وبها تفتح بركات السماء، فإليك ـ يا عبد الله ـ ثمانية أسباب شرعية، بها يُستجلب الرزق، هل تستطيع حفظها والأهم العمل بها؟
أولاً: الاستغفار والتوبة، نعم، التوبة والاستغفار، قال الله تعالى: فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ ٱلسَّمَاء عَلَيْكُمْ مُّدْرَاراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوٰلٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّـٰتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً [نوح:10-12]، قال القرطبي رحمه الله: "هذه الآية دليل على أن الاستغفار يُستنزل به الرزق والأمطار"، وقال ابن كثير رحمه الله: "أي إذا تبتم واستغفرتموه وأطعتموه كثر الرزق عليكم".
جاء رجل إلى الحسن فشكا إليه الجَدْب، فقال: استغفر الله، وجاء آخر فشكا الفقر، فقال له: استغفر الله، وجاء آخر فقال: ادع الله أن يرزقني ولداً، فقال: استغفر الله، فقال أصحاب الحسن: سألوك مسائل شتى وأجبتهم بجواب واحد وهو الاستغفار، فقال رحمه الله: ما قلت من عندي شيئاً، إن الله يقول: فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ ٱلسَّمَاء عَلَيْكُمْ مُّدْرَاراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوٰلٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّـٰتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً.
ثانياً: ومن أسباب الرزق ومفاتحه، التوكل على الله، الأحد الفرد الصمد، روى الإمام أحمد والترمذي وغيره، بسند صحيح قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لو أنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً)) قال الله تعالى: وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ ٱللَّهَ بَـٰلِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلّ شَىْء قَدْراً [الطلاق:3].
ثالثاً: من أسباب استجداب الرزق، عبادة الله، والتفرغ لها، والاعتناء بها، أخرج الترمذي وابن ماجه وابن حبان بسند صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله يقول: يا ابن آدم تفرَّغ لعبادتي أملأ صدرك غنى، وأَسُد فقرك، وإن لا تفعل ملأت يديك شغلاً، ولم أَسُد فقرك)).
رابعاً: من أسباب الرزق، المتابعة بين الحج والعمرة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب، كما ينفي الكير خبث الحديد)) رواه النسائي وغيره بسند صحيح. قال أهل العلم: إزالة المتابعة بين الحج والعمرة للفقر، كزيادة الصدقة للمال.
خامساً: مما يُستجلب به الرزق، صلة الرحم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من أحب أن يبسط له في رزقه ويُنْسَأ له في أثره، فليصل رحمه)) رواه البخاري. وفي رواية: ((من سره أن يُعظم الله رزقه وأن يمد في أجله فليصل رحمه)) رواه أحمد.
أين أنت ـ يا عبد الله ـ من صلة الرحم، إن كنت تريد بسط الرزق بدون صلة الرحم، فهيهات هيهات، فاتَّقِ الله وصِلْ رحمك يبسط لك في رزقك ولعلك تعجب من أن الفَجَرَة إذا تواصلوا بسط الله لهم في الرزق، اسمع لهذا الحديث الصحيح، الذي رواه الطبراني من حديث أبي بكرة، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن أعجلَ الطاعة ثواباً لَصِلَةُ الرحم، حتى إن أهل البيت ليكونوا فَجَرة، فتنموَ أموالهم، ويكثر عددهم، إذا تواصلوا)).
سادساً: من أسباب الرزق أيضاً، الإنفاق في سبيل الله، قال الله تعالى: وَمَا أَنفَقْتُمْ مّن شَىْء فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ [سبأ:39]. ((أنفقْ يا بلال ولا تخشَ من ذي العرش إقلالاً)) صححه الألباني. روى مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله تعالى: ((يا ابن آدم أنفِقْ أُنفِقُ عليك)) الله أكبر ما أعظمه من ضمان بالرزق، أنفقْ أُنفقُ عليك.
سابعاً: من أسباب الرزق ومفاتيحه، الإحسان إلى الضعفاء والفقراء. وبذل العون لهم، فهذا سبب في زيادة الرزق وهو أحد مفاتيحه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم)) رواه البخاري.
فمن رغب في رزق الله له، وبسطه عليه، فلا ينسَ الضعفاء والمساكين، فإنما بهم ترزق ويُعطى لك، ولهذا كان عليه الصلاة والسلام يقول: ((أبغوني في ضعفائكم فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم)) رواه النسائي وأبو داود والترمذي.
ثامناً: من مستجلبات الرزق، المهاجرة في سبيل الله، والسعي في أرض الله الواسعة، فما أغلق دونك هنا، قد يفتح لك هناك، وَمَن يُهَاجِرْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِى ٱلأرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً[النساء:100]، كم من الناس تركوا بلاداً، هي أحب البلاد لقلوبهم ولو خيروا لاختاروها على غيرها ـ لكنه الرزق ـ فتح الله عليهم في غير أرضهم، وفي غير بلادهم. ولله الأمر من قبل ومن بعد.


خطبة الجمعه - صفحة 2 Gallery_1238003433
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
لولو
مستشارة
مستشارة
لولو

انثى
عدد المساهمات : 1714
خطبة الجمعه - صفحة 2 7aV76083
الدولة : مصر
خطبة الجمعه - صفحة 2 73660.imgcache
تاريخ التسجيل : 23/05/2011
العمر : 21
الوسام الذهبى
الموقع : ادكو
مزاجى : خطبة الجمعه - صفحة 2 823931448
المهنة : خطبة الجمعه - صفحة 2 Studen10

خطبة الجمعه - صفحة 2 Empty
مُساهمةموضوع: رد: خطبة الجمعه   خطبة الجمعه - صفحة 2 I_icon10الجمعة 22 يوليو - 13:44

جزاكم الله خير


خطبة الجمعه - صفحة 2 666838548
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
abdo mamdouh
مستشاراداري
مستشاراداري
abdo mamdouh

ذكر
عدد المساهمات : 2131
الدولة : مصر
وسام اوفياء المنتدى
تاريخ التسجيل : 13/03/2011
العمر : 25
الموقع : Ägypten
مزاجى : خطبة الجمعه - صفحة 2 665449037
المهنة : خطبة الجمعه - صفحة 2 Studen10

خطبة الجمعه - صفحة 2 Empty
مُساهمةموضوع: رد: خطبة الجمعه   خطبة الجمعه - صفحة 2 I_icon10الجمعة 22 يوليو - 13:46

وجزاكى لولو


خطبة الجمعه - صفحة 2 Gallery_1238003433
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
صمت احزانى
مشرفة
مشرفة
صمت احزانى

انثى
عدد المساهمات : 466
خطبة الجمعه - صفحة 2 7aV76083
الدولة : مصر
تاريخ التسجيل : 25/03/2011
العمر : 27
مزاجى : خطبة الجمعه - صفحة 2 665449037
المهنة : خطبة الجمعه - صفحة 2 Collec10

خطبة الجمعه - صفحة 2 Empty
مُساهمةموضوع: رد: خطبة الجمعه   خطبة الجمعه - صفحة 2 I_icon10الجمعة 29 يوليو - 12:20

لا تحزن ان الله معنا
منذ فتره لم أره ضاحكا، نعم يتبسم أحيانا، لكن الحزن والكآبة أبدا ظاهران على محياه، يكثر السؤال عن أحوال المسلمين، يتتبع أخبار الاضطهاد والقتل والتشريد.. قال لي يوما:
- أحمد!.. أولسنا على الحق وأعداؤنا على الباطل؟ قلت: بلى!!
- أولسنا في صف الرحمن، وهم في صف الشيطان؟ قلت: بلى!!.
- أولسنا ندعو إلى الفضيلة وهم يدعون إلى الرذيلة؟ أولسنا مسالمين لا نعتدي ولا نظلم وهم السفاحون الخونة؟.. قلت: بلى.. بلى !!
- فلماذا لا ينصرنا الله عليهم؟ لماذا نبقى في اضطهاد وتشريد؟.. أكاد أجن ! بل لو جاز قتل النفس لفعلت، مانفيق من ألم
صفعة إلا تتبعها أخرى! من الاعتداء على أفغانستان، إلى مذابح كشمير، وهدم المساجد في الهند، و.. و.. وآلام وويلات في بلاد الإسلام، حتى بلغنا من الذل أن ذبحنا ذبح الشياه في البوسنة والهرسك، ثم في كوسوفا.. ولاندري أين يكون الجرح القادم..
أطفال يتامى.. نساء أرامل.. فتيات يحملن في أحشائهن أبناء المعتدين ! لم يستطعن أن يحصلن ولو على حبوب منع الحمل..
إلى متى يستمر حال الأمة هكذا؟! صارالمسلم الآن لاينتظر إذا أصبح إلا خبرا مبكيا، أو موتا منسيا.. لاحول ولا قوة إلا بالله..
ثم بكى !.. بل اشتد بكاؤه.. وهو ينظر إلي.. ينتظر أن أشاركه النياحة!!..
أدخلت يدي في جيبي وناولته منديلا يمسح به بقية همه وغمه، ثم قلت له:
- خالد! خطبة الجمعه - صفحة 2 Braket_r لاتحزن إن الله معنا خطبة الجمعه - صفحة 2 Braket_l.. إن نصر الله قريب.. إي والله إنه قريب، وما يصيب أمة الاسلام الآن إلا آلام ماقبل الولادة.. نعم ولادة النصر والتمكين لهذا الدين

والدين منصور وممتحن فلا *** تعجب فهذي سنة الرحمن

واستمع إلى هذه البشائر:
قال تعالى: خطبة الجمعه - صفحة 2 Braket_r يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (8) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ خطبة الجمعه - صفحة 2 Braket_l [الصف:8-9]، وقال سبحانه: خطبة الجمعه - صفحة 2 Braket_r ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين، إنهم لهم المنصورون، وان جندنا لهم الغالبون خطبة الجمعه - صفحة 2 Braket_l [الصافات:171-173]، وقال عز وجل: خطبة الجمعه - صفحة 2 Braket_r وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ خطبة الجمعه - صفحة 2 Braket_l [النور:155].
فهذه كلها وعود جازمة بالنصر والتمكين، وعدنا بها من بيده ملك السماوات والأرض، وعدنا بها من قلوب العباد، وعقولهم، ونواصيهم، وقواتهم، وأسلحتهم، وتخطيطاتهم، بيده وحده لاشريك له.. فهل تنكر من ذلك شيئا؟..
ثم لا تنبهـر عينك من كثرة الكافرين وتألبهم على المسلمين، ولا تخش من أسلحتهم، وتطورهم، وظهورهم، فإن كيدهم مهما عظم فهو ضعيف: خطبة الجمعه - صفحة 2 Braket_r إنهم يكيدون كيدا، وأكيد كيدا، فمهل الكافرين أمهلهم رويدا خطبة الجمعه - صفحة 2 Braket_l [الطارق:15-17]، نعم أمهلهم رويدا.. وقد يكون هذا الرويد سنة أو سنتين أو عشرأ أو عشرين أو ألفا.. لكنه رويد مهما طال، وهم مع اجتماعهم، واتفاقهم على حربنا، إلا أنهم والله يوشكون أن يختلفوا ويقتتلوا، ويكفي الله المؤمنين القتال خطبة الجمعه - صفحة 2 Braket_r تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى خطبة الجمعه - صفحة 2 Braket_l [الحشر:14].
واستمع إلى هذه البشائر:
عن تميم الداري خطبة الجمعه - صفحة 2 Ratheya قال: سمعت رسول الله خطبة الجمعه - صفحة 2 Salla يقول: { ليبلغن هذا الأمر مابلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز، أو بذل ذليل، عزا يعز الله به الإسلام، وذلا يذل الله به الشرك } [أخرجه أحمد والحاكم، وصححه الألباني].
وعن حذيفة بن اليمان خطبة الجمعه - صفحة 2 Ratheya أن رسول الله خطبة الجمعه - صفحة 2 Salla قال: { تكون النبوة فيكم ماشاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، تكون ماشاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا عاضا، فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا جبريا، فتكون ماشاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة } [أخرجه أحمد، وصححه العرا قي، والألباني].
وعن سعد بن أبي وقاص خطبة الجمعه - صفحة 2 Ratheya أن وسول الله خطبة الجمعه - صفحة 2 Salla قال: { لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لايضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك } [رواه مسلم].
وعن أبي بن كعب رضي الله أن رسول الله خطبة الجمعه - صفحة 2 Salla قال: { بشر هذه الأمة بالنساء، والنصر، والتمكين، ومن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا؟ لم يكن له في الآخرة نصيب } [أخرجه أحمد، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي والألباني].
هل تعلم؟!! سوف نقاتل اليهود ! نعم اليهود، الذين نجري الآن وراءهم نستجديهم السلام ! سوف نقاتلهم، بل سوف نقتلهم، ويقاتلهم معنا كل شيء حتى الحجر والشجر!.
عن أي هريرة خطبة الجمعه - صفحة 2 Ratheya أن رسول الله خطبة الجمعه - صفحة 2 Salla قال: { لاتقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يختبأ اليهودي من وراء الحجروالشجر! فيقول الحجرأو الشجر: يامسلم ! ياعبدالله ! هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله، إلا الغرقد
فإنه من شجر اليهود }
[رواه البخاري ومسلم].
وسوت نفتح مأرز النمرانية، ونسيطر على أرض الفاتيكات، سوت نملك "روما " ونحكمها بالاسلام، نعم.. النصارى الذي يرسمون الصلبان بالسكاكين على صدور المسلمين في كوسوفا، وقبلها في البوسنة، وقبلها في بقاع كثيرة.. سوف يؤدون لنا الجزية عن يد وهم صاغرون، إلا أن يدخلوا في الإسلام..
عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضى الله عنه قال: { بينما نحن عند رسول الله خطبة الجمعه - صفحة 2 Salla نكتب، إذ سئل: أي المديتتين تفتح أولا: أقسطنطينية، أم رومية؟ فقال رسول الله خطبة الجمعه - صفحة 2 Salla: "مدينة هرقل تفتح أولا، يعني القسطنطينية. } [أخرجه أحمد، والحاكم وصححه ووافقه ا لذهبي، والألباني].
وهناك بشائر أخرى، منها:
أن دين الاسلام: هو الدين الذي يتوافق مع فطرة الأنسان، ويكفل له سعادتي الدنيا والاخرة، ولايمكن أن يعيش الناس في أمن وسعادة في ظل دين آخر..
جرائم الاغتصاب، والسرقة، والقتل، بل والتفكك الأسري، والأمراض النفسية، كلها في إزدياد يوما بعد يوم في أكثر البلاد تطورا وحضارة، ولماذا؟ لأن أديانهم الباطلة والمحرفة لم تفلح في تعليق قلوبهم بالآخرة..
في أمريكا: في عام 1997: أصبح الذين لديهم خبرة في الأجرام بمختلف أنواعه 8، 34 مليون، منهم 74% جرائمهم كبيرة جدا!! ومن كل: 1000 شخص، تم القبض على: 199 سارقا !! [تم استخراج هذه المعلومات، وما بعدها، من إدارة الاحصاءات الأمريكية]
ووصل معدل الجريمة خلال عام واحد الى 25. 14 مليون جريمة!!
وبلغت نسبة الطلاق 60% من عدد الزيجات!!
ويغتصب يوميا 1900 فتاة!! 20% منهن يغتصبن من قبل آبائهن!!
فهل تظن أن مجتمعا مثل هذا يظل منصررا متمكنا؟!: خطبة الجمعه - صفحة 2 Braket_r فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا خطبة الجمعه - صفحة 2 Braket_l [مريم:84].
ومن البشائر: مانشاهده يوما بعد يوم في بلاد الإسلام، من إقبال الناس على التمسك بالدين، والاهتمام بأحكامه، بل وفي غير بلاد الاسلام نرى، ازياد الداخلين في الإسلام.
أما مانشاهده اليوم من اضطهاد، وقتل، وتشريد للمسلمين،فهو لايعني أن الأمة سيستمر حالها هكذا، لا، بل سيأتي يوم ينتصر فيه الاسلام، وعندما يأتي ذلك اليوم، فماذا يعني عمر جيل من البشر؟ أو أجيال؟ النصر قادم.. ليس المهم متى سيأتي النصر، لكن المهم أنه سيأتي، مهما وقع من المصائب والآلام.. سيأتي خطبة الجمعه - صفحة 2 Braket_r وكان حقا عليا نصر المؤمنين خطبة الجمعه - صفحة 2 Braket_l [الروم:47].
ولو قلبت صفحات التاريخ، لرأيت أنه قد حل بالمسلمين في أزمان مضت، مذابح، ومصائب، تشيب منها مفارق الولدان!! ثم لما حاسب المسلمون أنفسهم، ولجئوا إلى ربهم، كشف الله كربتهم، وأبدل خوفهم أمنا، وذلهم عزا..
ومن ذلك: ماحل بالمسلمين عام 656 هـ لما نزل التتار ببلاد الاسلام، وانتهبوها، حتى وصلوا إلى بغداد- عاصمة الخلافة وقتئذ- فحاصروها، ثم قتلوا الخليفة، وجنده، وحاشيته، وستباحوا بغداد أربعين يوما يقتلون ما نالته أيديهم من الرجال والنساء والصبيان.. لم يكن لجنود التتار شغل إلا: القتل.. القتل..
أتدري كم قتل من المسلمين خلال أربعين يوما؟ ذبحا بالسكاكين، وطعنا بالرماح، وتغريقا في دجلة؟!
إلبك ماذكره الإمام ابن كثير في تاريخه، واصفا الحال، كله، قال رحمه الله:
"ومالوا على البلد فقتلوا جميع مق قدروا عليه من الرجال، والنساء، والولدان، والمشا يخ، والكهول، والشبان، ودخل كثير من الناس في الآبار، وأماكن الحشوش، وقنى الظريف، ومكثوا كذلك أياما لايظهرون، وكان الجماعة من الناس يجتمعون إلى الخانات، ويغلقون عليهم الأبواب، فتفتحها التتار إما بالكسسسر وإما بالنار، فيهرب الناس إلى السطوح، فيقتلونهم هناك حتى جرت الميازيب بالدماء في الأزقة!!
وقتل خلال الأربعين يوما ألف ألف وثمانمائة ألف!! فإنا لله وإنا إليه راجعون.. وكان الرجل يستدعى فيخرج بأولاده ونسائه فيساقون إلى المقبرة ثم يذبحون ذبح الشياه، ويؤسر من يختارون من بناته وجواريه..
ولما انقضت الأربعون خرج التتار من بغداد، وبقيت خاوية على عروشها، القتلى قي الطرقات كالتلال، وسقط عليهم المطر فأنتوا، وتغير الهواء، ووقع بسبب ذلك وباء مات بسببه خلق في الشام من سريان الهواء الفاسد إليهم!!
أما من كان مختبئا في المقابر والمطامير، فخرجوا بعد الأربعين يوما كأنهم موتى نشروا من قبورهم.. قد أنكر بعضهم بعضا.. لايعرف الوالد ولده.. ولا الأخ أخاه.. فلم يلبثوا أن أصابهم الوباء فتصرعوا، ولحقوا بمن مضى، واجتمعوا تحت الثرى، بأمر الذي يعلم السر وأخفى، الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى" ا. هـ [ج 215/13 بتصرف].
وبعد هذه المحنة العظيمة، كشف الله تعالى الكربة، ورفع البلاء، وراجع المسلمون دينهم، وعاد لهم عزهم ومجدهم: خطبة الجمعه - صفحة 2 Braket_r وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيدكم ويعفو عن كثير خطبة الجمعه - صفحة 2 Braket_l [الشورى:30].
ووقوع ذلك البلا عليهم، بل ووقوع غيره قبله وبعده إلى زماننا هذا، لايعني أن الله تعالى يبغض المسلمين، أو يفضل عليهم الكافرين، ولكن خطبة الجمعه - صفحة 2 Braket_r قل هو من عند أنفسكم خطبة الجمعه - صفحة 2 Braket_l [آل عمران:165]، خطبة الجمعه - صفحة 2 Braket_r إن الله لا يغير ما بقومحتى يغيروا ما بانفسهم خطبة الجمعه - صفحة 2 Braket_l [الرعد:11].
ولعله يسأل سائل فيقول: كيف يكون المستقبل للإسلام؟ والأعداء قد اجتمعوا عليه وتكالبوا من كل جهة؟ وقد سلطوا عذابهم ونيرانهم على المسلمين عامة، وعلى الدعاة إليه والمتمسكين به خاصة؟ كيف والأعداء يملكون القنابل النووية، والأسلحة الفتاكة، والمسلمرن عزل من السلاح؟
إن هذا السائل لينسى: أن الذى ينصر المسلمين هو الله - جل شأنه - لاجهدهم ولا قوتهم: خطبة الجمعه - صفحة 2 Braket_r قاتلوهم يعذبهم اللة بأيديكم خطبة الجمعه - صفحة 2 Braket_l [التوبة:14]، فالمسلمون سبب لتحقيق قدر الله وإرادته: خطبة الجمعه - صفحة 2 Braket_r فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى خطبة الجمعه - صفحة 2 Braket_l [الأنفال:17].
وينسى هذا السائل: أن الله يسبح له من في السموات ومن في الأرض، ومما يسبح له قنابل هؤلاء وأسلحتهم وسجونهم ومعتقلاتهم.
وينسى هذا الساثل: أن الله إذا أراد أمرا، فإنما يقول له: كن، فيكون: خطبة الجمعه - صفحة 2 Braket_r وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر خطبة الجمعه - صفحة 2 Braket_l [القمر:50].
وينسى هذا السائل: أن الأعداء وصلوا إلى هذا المستوى الهائل من القوة والتمكين، بجهدهم البشري، وهو ليس حكرا على أحد، فالمسلمون قادرون على أن يسيروا في طريق التقدم العلمي والمادي مع المحافظة على الأصول الأسلامية، بل يمكن أن يبدءوا من حيث انتهى غيرهم، بل لو وقفت فاحصا عن العقول التي شاركت في صنع هذه القنابل والأسلحة المتطورة لوجدتها لاتخلوا من عقول إسلامية.
وينسى هذا السائل: أن الاسلام الذي انتصر - أول ما ظهر - على الرغم من كيد قريش واليهود ومشركي العرب، بل بالرغم من كيد فارس والررم، والصليبيين والتتار، هو الذي تواجهه الآن القوى المختلفة المتنازعة فيما بينها، من النصارى واليهود، خطبة الجمعه - صفحة 2 Braket_r كتب اللة لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزير خطبة الجمعه - صفحة 2 Braket_l [المجادلة:21]، وصدق الله إذ يقول: خطبة الجمعه - صفحة 2 Braket_r وَقُل لِّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ، وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ، وَلِلّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ خطبة الجمعه - صفحة 2 Braket_l [هود:121-123].
ولكن هناك أمور لابد أن نراعيها لنستجلب النصر:
أولها: أن نصلح حالنا مع ربنا جل جلاله، وأهم ذلك أن نخلص التوحيد له وحده سبحانه، ونتخلص من جميع صور الشرك، كدعاء غير الله، أو الاستعانة بغير الله، أو تعظيم القبور وبناء المساجد عليها، أو الحلف بغير الله، أو غير ذلك من صور الشرك.
ثانياً: أن نقوي علاقتنا بالله عز وجل، وأول ذلك أن نحرص على إقامة الصلوات الخمس، مع ما استطعنا من النوافل، مع الاكثار من تلاوة القرآن والذكر.
ثالثاً: أن نحاسب أنفسنا: لماذا وقعت علينا هذه العقوبات؟إذ كيف ينصرنا الله ونحن نعصيه بأسماعنا وأبصارنا؟ ثم: هل ربينا أولادنا على الاسلام؟ هل علمناهم الصلاة؟ هل حفظناهم ا لقرآن؟ هل حجبنا نساءنا؟ خطبة الجمعه - صفحة 2 Braket_r أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذاقل هو من عد أنفسكم خطبة الجمعه - صفحة 2 Braket_l [آل عمران:165].
رابعاً: أن يبذل كل واحد منا مايستطيع من جهود: مالية، وبدنية وفكرية، لنشر الخير، ودعوة المسلمين جميعا.. مهما كلفنا ذلك، ومهما بذلنا من جهد ووقت ومال، فإن هذا قليل في سبيل انتصار الدين وظهوره..
انظر ! كم يبذل الأعداء من جهود وأموال في سبيل إضلال المسلمين، وتغييبهم عن واقعهم، من خلال مجلات ماجنة، أو قنوات هابطة، أو من خلال دعوات صريحة إلى التبرؤ من الاسلام، واستبداله بالنصرانية أو العلمانية اللادينية!! والله لو بذلنا نصف ما يبذلون لتغيرت أحوال لعالم كله، فـخطبة الجمعه - صفحة 2 Braket_r ياليت قومي يعلمون خطبة الجمعه - صفحة 2 Braket_l.
خامساً: أنه مهما طال أمد انتظار النصر فلا ينبغي أن نيئس من حصوله، عن خباب خطبة الجمعه - صفحة 2 Ratheya قال: { أتيت رسول الله خطبة الجمعه - صفحة 2 Salla وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة - ولقد لقينا من المشركين شدة - فقلت: يارسول الله، ألا تدعوا الله لنا؟! فقعد وهو محمر وجهه، فقال: لقد كان من قبلكم ليمشط بمشاط الحديد مادون عظامه من لحم أو عصب مايصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه، فيشق باثنين ما يصرفه ذلك عن دينه وليتمن الله هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت مايخاف إلا الله } [رواه البخاري].
سادساً: أن نزرع في نفوس الناس الثقة بهذا الدين وإنتصاره، وننشر بينهم النصوص الشرعية، والدلاثل الواقعية التي تؤكد ذلك.
سابعاً: لاينبغي أن نستمع إلى المخذلين، وضعفاء الأيمـان، الذبن استسلموا لأعدائهم، وأعطوهم قيادهم، وأيبسوا من رحمة الله ونصره خطبة الجمعه - صفحة 2 Braket_r وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا خطبة الجمعه - صفحة 2 Braket_l [الأحزاب:12] هذا حال المنافقين، أما المؤمنون فإنهم خطبة الجمعه - صفحة 2 Braket_r ولما رآى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا اللة ورسوله وصدق اللة ورسوله وما زادهم إلا ايماناً وتسليماً خطبة الجمعه - صفحة 2 Braket_l [الأحزاب:22].
أسأل الله تعالى أن ينصر دينه ويعلي كلمته.. آمين.


خطبة الجمعه - صفحة 2 653858086


صمتى..... لغتى
فإعزرونى
لقلة.... كلامى
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
mohmed wgh
مشرف عام
مشرف عام
mohmed wgh

ذكر
عدد المساهمات : 879
خطبة الجمعه - صفحة 2 7aV76083
الدولة : مصر
تاريخ التسجيل : 28/06/2011
العمر : 22
الموقع : https://snamasr.ahlamontada.com
مزاجى : خطبة الجمعه - صفحة 2 665449037
المهنة : خطبة الجمعه - صفحة 2 Studen10

خطبة الجمعه - صفحة 2 Empty
مُساهمةموضوع: رد: خطبة الجمعه   خطبة الجمعه - صفحة 2 I_icon10الإثنين 15 أغسطس - 6:07

أميييييييييييييييين!!!!!!!!!!!!!!!!!


خطبة الجمعه - صفحة 2 30314_106184109425972_106179892759727_50036_3570001_n

خطبة الجمعه - صفحة 2 37378_130887470274941_100000610655970_209939_3745298_n
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
braaa ahmed
المشرفة العامة
المشرفة العامة
braaa ahmed

انثى
عدد المساهمات : 1324
خطبة الجمعه - صفحة 2 7aV76083
الدولة : السعودية
وسام الأدارى المميز
تاريخ التسجيل : 27/06/2011
العمر : 20
وسام نجم المنتدى
الموقع : أحب البلاد إلى الله
مزاجى : خطبة الجمعه - صفحة 2 823931448
المهنة : خطبة الجمعه - صفحة 2 Studen10

خطبة الجمعه - صفحة 2 Empty
مُساهمةموضوع: رد: خطبة الجمعه   خطبة الجمعه - صفحة 2 I_icon10السبت 27 أغسطس - 13:48

بارك الله فيكم وجزاكم عنا وعن الامة الإسلامية كل خير


خطبة الجمعه - صفحة 2 53059chatal3nabi
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
abdo mamdouh
مستشاراداري
مستشاراداري
abdo mamdouh

ذكر
عدد المساهمات : 2131
الدولة : مصر
وسام اوفياء المنتدى
تاريخ التسجيل : 13/03/2011
العمر : 25
الموقع : Ägypten
مزاجى : خطبة الجمعه - صفحة 2 665449037
المهنة : خطبة الجمعه - صفحة 2 Studen10

خطبة الجمعه - صفحة 2 Empty
مُساهمةموضوع: رد: خطبة الجمعه   خطبة الجمعه - صفحة 2 I_icon10الجمعة 2 سبتمبر - 12:10

أين المفر..؟

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه.
ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان.
(يا أيها الذين أمنوا اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتنا إلا وأنتم مسلمون).
أما بعد: عبد الله:
اتقوا الله عباد الله، واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله، يومَ ينفخ في الصورِ، ويبعث من في القبورِ، ويظهرُ المستورُ، يومَ تبلىَ السرائرَ، وتُكشَفُ الضمائرُ ويتميزُ البرُ من الفاجر.
ثم أعلموا أن هناك حقيقةً وأيُ حقيقة!
حقيقةٌ طالما غفلَ عنها الإنسانُ، ولحظةٌ حاسمةٌ ومصيرٌ ومآل.
إنها لحظةُ ملاقيكُم إلى أين من هذه اللحظةِ المهرب، وإلى أين منها المفر ؟
إلى الأمام ملاقيكُم.
إلى الوراءِ ملاقيكُم.
إلى اليميني والشمالِ ملاقيكُم.
إلى أعلا إلى أسفل ملاقيكُم، إلى الوراء ملاقيكم.
لا تمنعُ منه جنود، ولا يُتَحصنُ منه في حصون، مدريكُكم أينما كنتم.
إنه واعظُ لا ينطق، واعظ صامت يأخذَ الغنيَ والفقير، والصحيحَ والسقيمَ، والشريفَ والوضيع، والمقرَ والجاحدَ، والزاهدَ والعابد، والصغيرَ والكبيرَ، الذكرَ والأنثى، كلُ نفسٍ ستذوقهُ شاءت أم أبت.
لعلَكم عرفتموه، لا أظنُ أحداً يجهلُه، أما حقيقتُه فالكل يجهله، إنه الموت.
( كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ).
الموتُ ما الموت ؟
أمرُ كبار وكأسُ يدار، في من أقامَ وسار، يخرجُ بصاحبه إلى الجنةِ أو إلى النار.
ما زالَ لأهلِ اللذاتِ مكدرا، ولأصحابِ العقولِ مغيرا ومحيرا، ولأرباب القلوبِ عن الرغبةِ فيما سوى اللهِ زاجرا.
كيفَ وورائُه قبرٌ وحساب، وسؤالٌ وجواب، ومن بعدهِ يومٌ تدهشُ فيه الألبابُ فيعدمُ الجواب.
السكرات، ما أدراكم ما السكرات ؟
عانى منها رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فكان يقول: لا إله إلا الله إن للموت سكرا، اللهم هون علينا سكرات الموت.
سكرات أي سكرات ؟
يقول العلماء كل سكرة منها أشد من ألف ضربة بالسيف.
ملك الموت، ما ملك الموت؟
الدنيا بين يديه كالمائدة بين يدي الرجل يمد يده إلى ما شاء منها بأمر الله فيأخذه.
وإن له لأعوانا ما يعلم عددهم إلا الله، ليس منهم ملك إلا لو أذن الله له أن يلتقم السماوات السبع والأراضين في لقمة واحدة لفعل.
فلا إله إلا الله من لحظة حاسمة لو لم تعتقل الألسنة، وتخدر الأجسام وقت الاحتضار لما مات أحد إلا في شعف الجبال ألما، ولصاح الميت من شدة ما يعاني حتى تندك عليه جدران الغرفة التي هو فيها ولمستطاع أن يحضر ميتا أحدا أبدا، فنسأل الله العافية والسلامة، وأن يهون علينا السكرات.
روي عن الحسن أنه قال:
رأي أحد الصالحين بعد موته فقيل له كيف وجدت طعم الموت؟
قال أواه أواه وجدته والله شديدا، والذي لا إله إلا هو لهو أشد من الطبخ في القدور والنشر بالمناشير، أقبل ملك الموت نحوي حتى استل الروح من كل عضو مني فلو أني طُبخت في القدور سبعين مرة لكان أهون علي.
كفى بالموت طامة وما بعد الموت أطم وأعظم.
ويرى آخر بعد موته في المنام فيقال له: كيف وجدت نفسك ساعة الاحتضار؟
قال كعصفور في مقلاة لا يموت فيستريح ولا ينجو فيطير.
فالله المستعان على تلك اللحظات، و اللهم هون علينا السكرات وجعلها لنا كفرات وآخر المعاناة، وهي كذلك بأذن الله للمؤمنين والمؤمنات، ولغيرهم بداية المعاناة.
عبادَ الله، وفي تلك اللحظاتُ الحرجةُ ينقسمُ الناسُ إلى قسمين، إلى فريقين شقي وسعيد:
فريقُ السعداء حالُهم ما حالُهم:
( تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي ْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ).
ها هيَ أسماءُ بنتُ عميسٍ رضي اللهُ عنها تقول كما روي عنها:
إنا لعند علي رضي اللهُ عنه وأرضاه بعدما ضربَه ابن مُلجِم عليه من الله ما يستحق.
إذ بعليٍ يشهقُ شهقةً فيغمى عليه، ثم يفيقُ ثانيةً وهو يقول:
مرحباً مرحبا، الحمدُ لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الجنةَ، الحمد لله الذي أذهبَ عنا الحزن، لمثلِ هذا فليعملِ العاملون، وليتنافسِ المتنافسون.
فيالها من موعظة ومصير لو وافقت من القلوب حياة. من ظفر بثواب الله فكأنما لم يصب في دنياه.
كأنك لم توتر من الدهر مرة ........ إذا أنت أدركت الذي أنت طالبه

وأسمع معي أخر لسعيد أبن جبير رضي الله عنه يوم يروي لنا قصة صحيحة متواترة كما قال الذهبي في سيره فيقول:
لما مات أبن عباس رضي الله عنه في الطائف، جاء طائر لم يرى مثل خلقته فدخل نعشه، ثم لم يخرج منه، فلما دفن فإذا على شفير القبر تال يتلو لا يرى: ( يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي). فيا لها من خاتمة، ويا له من مصير. والخير في الأمة يستمر، ولن تعدم الأمة خيّر، فأسمع ثالثة إلى هذا الحدث الذي ذكره صاحب كتاب "يا ليت قومي يعلمون)، قال حدثني أحد الصالحين قائلا:
كان هناك رجل صالح من أهل الطائف، كان عابدا فاضلا، نزل مع بعض أصحابه إلى مكة محرما، ودخلوا الحرم بعد أن انتهت صلاة العشاء، فتقدم ليصلي بهم، وهو محرم قد خرج لله عز وجل كما يحسب، فقرأ سورة الضحى، فلما بلغ قول الله عز وجل ( وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى)، شهق وبكى وأبكى، فلما قرأ ( وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى) ترنح قليلا ثم سقط ميتا. فعليه رحمة الله، ليبعث يوم القيامة بأذن الله مصليا، فمن مات على شيء بُعث عليه كما ورد عن المصطفى (صلى الله عليه وسلم).
وآخر يقضي حياته مؤذنا يهتف بالتوحيد كل يوم وليلة خمس مرات، ويؤذن يوما من الأيام ثم يشرع ليقيم الصلاة، ولما انتصف في إقامة الصلاة سقط ميتا فعليه رحمة الله، سنوات يؤذن ثم يجيب داع الله مؤذنا فيُبعث يوم القيامة من أطول الناس أعناقا مؤذنا، فرحمة الله عليه.
يا لها من خواتم طيبة، ملائكةٌ بيضُ الوجوه يتقدمُهم ملكُ الموت، يخاطبُ تلك الأرواح الطيبة:
أيتها النفسُ الطيبةُ أخرجي إلى مغفرةٍ من الله ورضوان وربٍ راضٍ غيرِ غضبان، فتخرجُ تسيل كما تسيلُ القطرةُ من فم السقاء، وتفتحُ لها أبوابُ السماء، وتحملُ الجنازةُ على الأكتاف وهي تصيح وتقول قدمونيَ، قدموني، تسألُ فتجيبُ وتثبتُ، ويفرشُ لها من الجنة، ويفتحُ لها بابٌ إلى الجنة، قد استراحت من تعبِ هذه الدار، وإلى راحةٍ أبديةٍ في دار القرار.
وفريقٌ آخر:
في تلك الساعة يشقى، حسبَ أن الحياة عبثٌ ولهوٌ ولعب، وإذا به يعاني أول المعاناة.
نزلت عليه ملائكةٌ سودُ الوجوه يتقدموهم ملكُ الموت –نعوذ بالله من ختام السوء وساعة السوء- يقول أيتها النفسُ الخبيثةُ أخرجي إلى سخطٍ من الله وغضب.
فتنتزَعُ نزعاً بعد أن تُفرقَ في الجسد، ثم ترفعُ فلا تُفتحُ لها أبوبُ السماء، تحملُ الجنازةُ على الأكتافِ وهي تصيح: يا ويلها أين تذهبون بها، ثم تسألُ فلا تجيب، ويفرشُ لها من النار، ويفتحُ لها بابٌ إلى النار، فنعوذ بالله من النار ومن سوءِ الختامِ وغضبِ الجبار.
ذكر صاحب قصص السعداء والأشقياء أنه وقع حادث في مدينة الرياض على إحدى الطرق السريعة لثلاثة من الشباب، كانوا يستقلون سيارة واحدة، توفي اثنان منهما في الحال، وبقي الثالث في آخر رمق، يقول له رجل المرور الذي حضر الحادث قال لا إله إلا الله، فأخذ يحكي عن نفسه ويقول:
أنا في سقر، أنا في سقر أنا في سقر حتى مات عل ذلك، فلا إله إلا الله.
رجل المرور يسأل ويقول ما هي سقر، فوجد الجواب في كتاب الله عز وجل:
( مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ). ( سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ).
نسأل الله السلامة والعافية. عباد الله:
فريقان لا ثالث، شقي وسعيد:
فريق في الجنة وفريق في السعير.
فريق استراح، وفريق استراح منه العباد والبلاد ومضى إلى جهنم وبئس المهاد.
ألا ترون ألا تتفكرون ألا تنضرون، تشيعون كلَ يومٍ غادياً إلى الله قد قضى نحبه وانقضى أجلَه، حتى تغيبوه في صدعٍ من الأرضِ خُلعَ الأسباب، وتركَ الأحباب، وسكنَ الترابَ، وواجهَ الحسابَ، انتهى أجلُه وأملُه، تبعَه أهلُه ومالُه وعملُه، فرجع الأهلُ والمال وبقي العمل.
فارق الأحبةَ والجيران، هجرَه الأصحابُ والخلان، ما كأنَه فرِحَ يوما ولا ض يوما ما، أرتُهنَ بعملِه فصار فقيراً إلى ما قدم غنياً عن ما تركَ.
جمعوا فما أكلوا الذي جمعوا ...... وبنوا مساكنَهم وما سكنوا
فكأنَهم كانوا بها ضعنا........... لم استراحوا بها ساعةً ضعنوا

ولذلك كان الرسول (صلى الله عليه وسلم) أرحم الناس بالأموات، يقول عوف ابن مالك:
صلى بنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على جنازة رجل من الأنصار، يقول فتخطيت الصفوف حتى اقتربت منه، فسمعته يبكي ويقول: اللهم أغر له، اللهم أرحمه وعافه واعف عنه، وأكرم نزله ووسع مدخله، واغسله بالثلج والماء والبرد.
يقول عوف والذي لا إله إلا هو لوددت أني أنا الميت من حسن دعائه (صلى الله عليه وسلم) له.
ومن رحمته بالأموات (صلى الله عليه وسلم) كان يذهب في الليل ليقف علة مقبرة البقيع فيدعو لعم طويلا ويترحم عليهم طولا (صلوات الله وسلامه عليه)، فما أرسله الله إلا رحمة للعالمين.
وأصحابه كذلك، أبن عمر كان إذا قرأ قول الله : (وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ ) بكى وأبكى ودعا للأموات وقال: اللهم لا تحل بيني وبين ما أشتهي، قالوا وما تشتهي؟ قال أن أقول لا إله إلا الله.
فلا إله إلا الله.. ما من ميت إلا ويود أن يسجل في صحيفته لا إله إلا الله، ولكن هيهات حيل بينهم وبينها، وبقي الجزاء والحساب.
فرحم الله امرأ قد من الصالحات لتلك الحفر، ورحم الله حاسب نفسه قبل ذاك اللحد الذي لا أنيس فيه ولا صاحب إلا العمل، وكفى بالموت واعظا.
روي أن عمر أبنُ عبد العزيز رحمَه الله يقول لجلاسه يوما ما:
أرقتُ البارحةَ فلم أنم حتى طلعَ الفجر، قالوا ما أسهرك؟
قال لما أويتُ إلى فراشي ووضعتُ عليَ لحافي تذكرتُ القبرَ، وتذكرتُ الميتَ بعد لياليٍ تمرُ عليه، حينما تركَه أهلُه وأحبتُه وخلانه، تغير ريحُه وتمزقَ كفنُه وسرى الدودُ على خدودِه فليتك ترى تلك الرائحةَ المنتنةَ، وتلك الأكفانَ الممزقةَ، إذا لرأيتَ أمراً مهولا، ثم أنفجر يبكي ويقولُ لا إله إلا الله ولسانُ حالِه:
واللهِ لو قيل لي تأني بفاحشةٍ ......... وأنا عُقباكَ دنيانا وما فيها
لقلتُ لا والذي أخشى عقوبَتَه ...... ولا بأضعافِها ما كنتُ أتيها
تجهزي بجهاز تبلغين به ............. يا نفس قبل الردى لم تخلقي عبثا
كفى بالموت واعظا لمن كان له قلب أو ألقى السمع.
يمر عمرو ابن العاص رضي الله عنه بالمقبرة فيبكي ثم يرجع فيتوضأ ويصلي ركعتين، فيقول أصحابه:
لم فعلت ذلك ؟
قال تذكرت قول الله : (وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ ) وأنا أشتهي الصلاة قبل أن يحال بيني وبينها.
عمر الذي حضرته الوفاة فبكى، فقال له ابنه يا أبتاه صف لنا الموت.
قال يا بني الموت أعظم من أن يوصف، لكأن على كتفي جبل رضوى، وكأن في جوفي شوكة عوسج، وكأن روحي تخرج من ثقب ابرة، وكأن السماء اطبقت على الأرض وأنا بينهما.
ثم حول وجهه إلى الحائط ليبكي بكاء مرا فيقول ابنه محسنن ظنه:
أنت من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، أما فتحت مصرا، أما جاهدت في سبيل الله!
فيقول يا بني لقد عشت مراحل ثلاث:
لقد كنت أحرص الناس على قتل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فيا ويلتاه لو مت في ذلك الوقت.
ثم هداني الله فكان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أحب الناس إلي، والله ما كنت أستطيع أن املأ عيني من وجهه حياء منه، والله لو سألتموني أن أصفه الآن ما استطعت، والله ما كنت أملأ عيني إجلالا له، فيا ليتني مت في ذلك الوقت لأنال دعاء النبي (صلى الله عليه وسلم).
يقول ثم تخلفت بعد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فلعبت بنا الدنيا ظهرا لبطن، فما أدري أيؤمر بي إلى الجنة أو النار، لكن عندي كلمة أحاج بها لنفسي عند الله هي لا إله إلا الله محمد رسول الله.
ثم قبض على لا إله إلا الله:( يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ).
يقول أبن عوفٍ رضي الله عنه:
خرجتُ مع عمرَ رضي الله عنه إلى المقبرة، فلما وقفنا عليها، ارتعد وأختلس يدَه من يدي، ثم وضع نفسَه على الأرض وبكى بكاءً طويلاً.
فقلت ما لك يا أميرَ المؤمنين ؟
قال يا ابن عوف ثكلتك أمك أنسيت هذه الحفرة.
حاله يقول: لمثل هذا فأعد.
شد حيازيمك للموت فإن الموت لاقيك ........ لأن لا تجزع للموت إذا حل بواديك.
كفى بالموت واعظا، وبسير الصالحين عنده عبرا.

تحل السكرات بمحمد ابن أدهم فيقول لخادمه: وقد أصابته رعده، يصيح ويقول:
ما لي وللناس، والذي لا إله إلا هو لو استطعت أن أتطوع لله وحدي حيث لا يراني ملكاي لفعلت خوفا من الرياء، ولكن لا أستطيع.
كان يدخل بيته ومعه كوز ماء فيغلق بابه ويقرأ القرآن ويبكي وينشج، فيسمعه ابن له صغير فيقلده في البكاء، فإذا خرج من بيته غسل وجهه واكتحل لكي لا يرى أثر البكاء عليه.
يقول خادمه: دخلت عليه قبل موته بأربعة أيام فقال:
يا أبا عبد الله أبشر فقد نزل بي الموت، وقد من الله علي أن ليس عندي درهم يحاسبني الله عليه، فقد علم ضعفي فإني والله لا أطيق الحساب، فلم يدع عندي شيء يحاسبني عليه فله الحمد.
ثم قال لخادمه أغلق علي الباب، ولا تأذن لأحد علي حتى أموت وأعلم أني أخرج من الدنيا ليس عندي ميراث غير كسائي وإنائي الذي أتوضأ فيه، فغطوا علي بكسائي وتصدقوا بإنائي على مسكين يتوضأ فيه.
ثم لفظ روحه في اليوم الرابع ليلقى الله ليس معه من الدنيا شيء، فرحمه الله رحمة واسعة.
خذ القناعة من دنياك وأرضى بها........ لو لم يكن لك فيها إلا راحة البدن
وانظر إلى من حوى الدنيا بأجمعها....... هل راح منها بغير الحنط والكفن
كفى بالموت واعظا.

وولله لو كان الأمرُ سينتهي بالموت لكان هيناً سهلاً، لكنَه مع شدتِه وهولِه أهونُ مما يليه، والقبرُ مع ظلمتِه أهونُ مما يليه، كلُ ذلك هينٌ إذا قُرنَ بالوقوفِ بين يدي الله الكبيرِ المتعال.
تلفت المرءُ يميناً فلم يرى إلا ما قدم.
وشمالاً فلم يرى إلا ما قدم.
ونظرَ تلقاء وجه فلم يرى إلا النار.
فيا له من موقفٍ ويا لها من خطوبٍ تذهلُ المرضعةُ عما أرضعت وتضعُ كلُ ذاتِ حملٍ حملها، وترى الناسَ سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد.
يبلغ العرق أن يلجم الناس إلجاما، والشمس تدنو منهم قدر ميل، فيالها من أحداثٍ مجردُ تصورُها يخلعُ ويذيبُ الأكباد. يومُ القيامةِ لو علمت بهولِه ......... لفررتَ من أهلٍ ومن أوطانِ.
روي عن الحسن رضي الله عنه:
أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كان رأسُه ذات يوم في حجرِ عائشة، فنعس فتذكرت الآخرة فسالت دموعُها على خدِ رسولَ الله (صلى الله عليه وسلم)، فأستيقظَ بدموعها ورفع رأسه وقال ما يبكيك؟
قالت يا رسول الله ذكرتُ الآخرة، فهل تذكرونَ أهليكُم يومَ القيامة؟
قال (صلى الله عليه وسلم) والذي نفسي بيده في ثلاثةِ مواطنَ فإن أحداً لا يذكرُ إلا نفسَه:
إذا وضعتِ الموازين حتى ينظرَ أبنُ أدمَ أيخفُ ميزانُه أم يثقل.
وعند الصحف حتى ينظرَ أبيمينِه يأخذُ أم بشمالِه.
وعند الصراط حتى ينظرَ أيمرَ أم يكردس على وجههِ في جهنم.
يؤتي بإبن أدم حتى يوقفُ بين كفتي الميزان، فتصور نفسِك يا عبد الله وأنت واقفٌ بين الخلائقَ إذ نوديَ باسمك، هلمَ إلى العرضِ على اللهِ الكبير المتعال.
قمتَ ولم يقم غيرك ترتعدُ فرائصُك، تضطربُ رجلاك وجميع جوار، قلبك لدى حنجرتك، خوفٌ وذلٌ وانهيار أعصاب:
شبابكَ في ما أبليتَه ؟
عمرُك فيما أفنيتَه ؟
مالُك من أين اكتسبتَه وفيما أنفقتَه ؟
علمُك ماذا عملتَ به ؟
هذه الأسئلةُ فما الإجابةُ.
كم من كبيرةٍ نسيتهَا قد أثبتَها عليك الملك.
كم من بليتٍ أحدثتهَا.
كم من سريرةٍ كتمتها ظهرت وبدت أمامَ عينييك.
أعظمِ به من موقف، وأعظم به من سائلٍ لا تخفى عليه خافيةٍ، وأعظمِ به من حياءٍ يداخلُك وغم وحزنٍ وأسفٍ شديد، فإما أن يقول الله:
يا عبدي أنا سترتُها عليكَ في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم. فيا لسرورِك وهدئت بالك واطمئنان قلبك والمنادي ينادي: سعدَ فلانُ أبن فلان سعادةً لا يشقى بعدها أبدا.
وأما أن يقولَ الله – عافاك وسلمك الله– إما أن يقول: خذوه فغلوه ثم الجحيمَ صلوه فيذهبُ بك إلى جهنمَ مسود الوجه، كتابك في شمالك ومن وراء ظهرك قد غلت ناصيتك إلى قدمك، أي خزي وأي عارٍ على رؤوس الخلائق ينادى: شقي فلانُ أبن فلان شقاوة لا يسعدُ بعده أبدا.
عباد الله:
الأمر خطير جد خطير، إبليس قد قطع العهد على نفسه ليغوينكم أجمعين، فقال:
وعزتك وجلالك يا رب لا أزال اغويهم ما دامت أرواحهم في أجسادهم.
والله برحمته ومنه يقول:
وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني.
فالبدار البدار، والتوبة التوبة، والاستغفار الاستغفار لا يهلك إلا هالك، ولا يشقى إلا شقي.
أكثروا من ذكر هادم اللذات.
زوروا المقابر فإنها تذكركم الآخرة.
احضروا المحتضرين معتبرين.
اصدقوا الله يصدقكم.
احفظوه يحفظكم وعاملوا الله فلن تخيبوا.
( وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ).
نفعني الله وإياكم بالقرآن وبسنة سيد الأنام عليه الصلاة والسلام، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
عباد الله:
اعلموا أن الآمال تطوى، والأعمار تفنى، والأبدان تحت التراب تبلى، والليل والنهار يقربان كل بعيد ويبليان كل جديد، وفي ذلك والله ما يلهي عن الشهوات، ويسلي عن اللذات، ويرغب في الباقيات الصالحات.
لتفتوا وانظروا وتدبروا وتأملوا بعيون قلوبكم أين من كان حولكم:
أين من كان حولكم ...... من ذوي البأس والخطر
سائلوا عنهم الديار....... واستبحثوا الخبر
سبقونا إلى الرحيل....... وإنا على الأثر
كان عبد الرحمن ابنُ يزيد ابنُ معاوية خلا لعبد الملك أبنُ مروان، فلما مات عبدُ الملكِ ودفنَ وتفرق الناسُ عن قبرِه، وقفَ عليهِ عبد الرحمنُ قائلاً:
أنتَ عبدُ الملك، أنت من كنتَ تعدوني خيراً فأرجوك، وتتوعدُني فأخافُك، الآن تصبحُ وتمسي وليسَ معكَ من ملكِك غير ثوبُك، وليسَ لك من مُلكِكَ سوى ترابِ أربعةِ أذرُعٍ في ذراعين.
إنه لملكٌ هينٌ حقيرٌ وضيعٌ، أفٍ ثم أفٍ لدنياً لا يدومُ نعيمُها، ثم رجعَ إلا أهلِه فأجتهدَ وجد في العبادةِ وعلم أنها الباقيةَ، حتى كان كأنه شن بال من كثرة ما أجهد نفسَه في العبادة.
فدخلَ عليه بعض يعاتبَه لأنه أضر بنفسه، فقال لمن عاتبه:
أسألكَ عن شيء فهل تصدقني فيها، قال نعم.
قال نشدتُك الله عن حالتِكَ التي أنتَ عليها أترضاها حين يأتيك الموت؟
قال اللهم لا.
قال نشدتُك الله أعزمتَ على انتقال منها إلى غيرها؟،
قال اللهمَ لم أشاور عقلي بعد.
قال افتأمن أن لا يأتيكَ ملكُ الموتِ على الحالةِ التي أنت عليها؟
قال اللهم لا آمن.
فقال حالُ ما أقام عليها عاقلٌ وما يقيم عليها ذو قلبٍ ولب، إن الطائرَ إذا علم أن الأنثى قد حملت البيض، أخذ ينقل العيدان لبناء العش قبل الوضع.
أفترُاك ما علمت قُرب رحيلِك إلى القبرِ الذي ستنفردُ فيه وحدَك، ويسدُ عليك فيه بالطينِ وحدَك، آلا عملتَ لك فراشاً من تقوى الله، فمن عمل صالحاً فلأنفسِهم يمهدون.
فلا يومُك الماضي عليكَ بعائد ........ ولا يومُكَ الآتي بهِ أنت واثقُ
فاستعد وأعد.
يا شابا عكف على القرآن:
مسجده ومصلاه، والمسجد مظهره ومخبره اسأل الله الثبات، وازدد من الحسنات، واجعل الآخرة همك يجعل الله غناك في قلبك ويجمع لك شمل، وتأتيك الدنيا راغمة، فجد وسارع واغتنم زمن الصبا.
و يا شابا هجر القرآن:
وأعطى نفسَه هواها فدساها، لتقفنَ موقفاً ينسى الخليلُ به الخليل، وليركبنَ عليكَ من الثرى ثقلُ ثقيل، ولتسألنَ عن النقيرِ، والقطميرِ والصغيرِ والكبير، فعد فالعودُ أحمد قبل أن تقولَ ربي ارجعون فلا رجوع:
ذهبَ العمرُ وفات، يا أسير الشهوات، ومضى وقتُك في لهوٍ وسهوٍ وسبات.
يا شيخا اقترب من القبر:
عرف أنه منه قاب قوسين أو أدنى، فأكثر من الاستغفار، وحبل لسانه عن الزور، ورعى رعيته كما ينبغي، وعرف قدر يومه وليلته بشراكَ بشراك، ضاعف العمل فإن الخيل إذا وصلت إلى نهاية السباق قدمت كل ما لديها من قوة لتفوز بالجائزة.
ويا شيخا نسي الله في شيخوخته بعد شبابه:
فارتكب الجرائم وقارف الكبائر ووقف على عتبة الموت، أين الهوى والشهوات؟ ذهبت وبقيت التبعات، تتمنى بعد يبس العود العَودَ وهيهات.
يا من شاب رأسه فما استحي من الله:
يا من شاب رأسه فانتهك حدود الله وأعرض عن منهج الله تب إلى الله قبل أن تكون ممن لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم.
إلى من ضيعَ الصلاة وأتبعَ الشهوات.
إلى المنافقين والزناة.
إلى الظلمةِ والبغاة.
إلى من طغى وآثر الحياة الدنيا.
إلى المغتابينَ والنمامينَ والحاسدين وأكلة الربا.
إلى من ألهاهم التكاثرَ فنسوا بعثرةَ المقابر وتحصيلَ من في السرائر.
إلى من أضنى عينيه بمشاهدةِ المسلسلات واستقبالِ القاذورات.
إلى من طربت أذنُه باستماعِ الأغنيات.
إلى من شغلته أمواله المحرمة والشركات.
إلى من أعمى الهوى بصرَه وأصم سمعه فكانَ حياً وهو في عدادِ الأموات.
إلى الراشين والمرتشين وأهلِ السكرِ والمخدرات.
إلى المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب.
إلى الكاسيات العاريات.
إلى العصاةِ جميعاً.
من الموتِ والقبرِ والحسابِ أين المفر، أين المفر؟
( كَلَّا لا وَزَرَ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ).
( أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ).
عباد الله: آن الأوان أن نعلنها توبة إلى الله باللسان والجنان.
اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم انك حميد مجيد.
اللهم آتي نفوسنا تقواها.
اللهم زكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولها. وأنت أرحم الراحمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأنصر عبادك الموحدين.
اللهم ارحم من لا راحم له سواك، ولا ناصر له سواك ولا مأوى له سواك، ولا مغيث له سواك.
اللهم ارحم سائلك ومؤملك لا منجى له ولا ملجئ إلا إليك.
اللهم كن للمستضعفين والمضطهدين والمظلومين.
اللهم فرج همهم ونفس كربهم وارفع درجتهم واخلفهم في أهلهم.
اللهم أنزل عليهم من الصبر أضعاف ما نزل بهم من البلاء.
يا سميع الدعاء
الله ارحم موتى المسلمين، اللهم إنهم عبيدك بنوا عبيدك بنو إمائك احتاجوا إلى رحمتك وأنت غني عن عذابهم، الله زد في حسناتهم، وتجاوز عن سيئاتهم أنت أرحم بهم وأنت أرحم الراحمين.
سبحان ربك رب العزة عن ما يصفون وسلام على المرسلين
والحمد لله رب العالمين.



خطبة الجمعه - صفحة 2 Gallery_1238003433
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
abdo mamdouh
مستشاراداري
مستشاراداري
abdo mamdouh

ذكر
عدد المساهمات : 2131
الدولة : مصر
وسام اوفياء المنتدى
تاريخ التسجيل : 13/03/2011
العمر : 25
الموقع : Ägypten
مزاجى : خطبة الجمعه - صفحة 2 665449037
المهنة : خطبة الجمعه - صفحة 2 Studen10

خطبة الجمعه - صفحة 2 Empty
مُساهمةموضوع: رد: خطبة الجمعه   خطبة الجمعه - صفحة 2 I_icon10الجمعة 9 سبتمبر - 9:43

بسم الله الرحمن الرحيم

دعوة للتأمل

(الْحَمْدُ للهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآَخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ يَعْلَمُ مَا يَلْجُ فِي الأرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ) (وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ) (عَالِمِ الْغَيْبِ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ)
الحمد لله، أصبحت له الوجوه ذليلة عَانِيَة، وحذرته النُّفوس مجدّة ومتوانية، ذمَّ الدنيا إذا هي حقيرة فانية، وشوَّق لجنة قطوفها دانية، وخوَّف صرعى الهوى أن يُسقوا من عين آنية، أحمده على تقويم شانيه، وأستعينه وأستعيذه من شر كل شان وشانية، وأحصِّن بتحقيق التوحيد إيمانيه، أحمده وهو العليم العالم بالسِّر والعلانية، فالسر عنده علانية.
فهو العليم أحاط علمًا بالذي *** في الكون من سر ومن إعلان
وهو العليم بما يوسوس عبده *** في نفسه من غير نطق لسان
بل يستوي في علمه الداني *** مع القاصي وذو الإصرار والإعلان
فهو العليم بما يكون غدًا وما *** قد كان والمعلوم في ذا الآن
وبكل شي لم يكن لو كان كيف *** يكون موجودًا لذي الأعيان
فهو السميع يرى ويسمع كل ما *** في الكون من سرٍ ومن إعلان
فلكل صوت منه سمع حاضر *** فالسر والإعلان مستويان
والسمع منه واسع الأصوات لا *** يخفى عليه بعيدها والدَّاني
ويري دبيب النمل في غسق الدُّجى *** ويرى كذاك تقلُّب الأجفان
لهو البصير يرى دبيب النملة *** السوداء تحت الصَّخر والصَّوَّان
ويرى مجاري القوت في أعضائها *** ويرى نِيَاطَ عروقها بعيان
ويرى خيانات العيون بِلَحْظِها *** إي والذي برأ الورى وبَرَانِي
فهو الحميد فكل حمدٍ واقع *** أو كان مفروضًا على الأزمان
هو أهله سبحانه وبحمده *** كل المحامد وصف ذي الإحسان
فلك المحامد والمدائح كلها *** بخواطري وجوارحي ولساني
ولك المحامد ربنا حمًدا كما *** يرضيك لا يفنى على الأزمان
ملء السماوات العلا والأرض *** والموجود بعد ومنتهى الإمكان
مما تشاء وراء ذلك كله *** حمدًا بغير نهاية بزمان
وعلى رسولك أفضل الصلوات *** والتسليم منك وأكمل الرضوان
صلى الإله على النبي محمد *** ما ناح قُمْرِيٌ على الأغصان
وعلى جميع بناته ونسائه *** وعلى جميع الصَّحب والإخوان
وعلى صحابته جميعًا والأُلَى *** تبعوهم من بعد بالإحسان

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ)
أما بعد، أحبتي في الله، إنها دعوة، دعوة إلى التأمل، دعوة موجَّهة إلى القلوب الذاكرة، العابدة، الخاشعة، دعوة إلى من يتفكرون، ويسمعون، ويعقلون، ويؤمنون، ويفقهون، إلى أولي الألباب، إلى أولي الأبصار، إلى أولي الأحلام والنُّهَى، إلى من يتأملون، ويتدبرون فينتفعون، فلا عند حدود النظر المشهود للعيان يقفون، بل إلى قدرة القادر في خلقه ينظرون، ولسان حالهم ومقالهم: (لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآَخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإليه تُرْجَعُونَ) ليزدادوا إيمانًا مع إيمانهم وكذلك يفعلون. وهي كذلك دعوة إلى الغافلين، السَّاهين، اللاهين، المعْرِضين، إلى من لهم عيون بها لا يبصرون، وآذان بها لا يسمعون، وقلوب بها لا يفقهون. إلى من هم كالأنعام يأكلون ويشربون ويتمتعون ولم يحققوا معنى إلاّ ليعبدون. إلى من هاجموا التوحيد ولم يفهموه، وهاجموا الإسلام ولم يعرفوه، ونقدوا القرآن ولم يقرؤوه. إلى من يمرُّون على آيات الله وهم عنها معرضون، إليهم هذه الدعوة؛ علَّهم يستيقظون، ويفقهون، ويعقلون، فيقدرون الله حقَّ قدره، لا إله إلا هو فأنى يؤفكون. (ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ) إنها باختصار دعوة إلى العلم بالله علمًا يقود إلى خشيته ومحبته، فمن كان به أعلم كان له أخشى (إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) وهي أيضًا دعوى لتعبد الله بمقتضى ذلك العلم، في تمام خضوع وذل ومحبة من طريقين اثنين؛ الأول: التدبر في آيات الله الشرعية المتلوة في كتابه العزيز، والثاني: النظر في مخلوقات الله، وآياته الكونية المشهودة (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْل وَالنَّهَارِ لآَيَاتٍ لأُولِي الألْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) هي دعوة إلى التأمل في بديع صنع الله، وخلق الله، وبيان ما في هذا الكون من إبداع ينطق بعظمة الخالق جل وعلا، ووحدانيته في ربوبيَّته، وألوهيته، وأسمائه، وصفاته، كيف والكون كتاب مفتوح، يُقرأ بكل لغة، ويُدرك بكل وسيلة، يطالعه ساكن الخيمة، وساكن الكوخ، وساكن العمارة والقصر، كل يطالعه فيجد فيه زادًا من الحق إن أراد التطلع إلى الحق، إنه كتاب قائم مفتوح في كل زمان ومكان، تبصرة وذكرى لكل عبدٍ خضع وأناب، يأخذك كتاب الله إن تأمَّلته في جولات وجولات، ترتاد آفاق السماء، وتجول في جنبات الأرض والأحياء، يقف بك عند زهرات الحقول، ويصعد بك إلى مدارات الكواكب والنجوم، يفتح بصرك وبصيرتك إلى غاية إحكام وإتقان لا له مثيل، قد وضع كل شيء في موضع مناسب، وخُلِق بمقدار مناسب، يُرِيك عظمة الله، وقدرة الله، وتقديره في المخلوقات، ثم يكشف لك أسرار الخلق والتكوين، ويهديك إلى الحكمة من الخلق والتصوير، ثم يقرع الفؤاد بقوله: (أَإِلَهٌ مَّعَ اللهِ تَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) إن نظرت إليه بعين البصيرة طالعك بوحدانية الله في الربوبية مستدلا بها على وحدانيته في العبادة والألوهية، ذلَّت لعزة وجهه الثَّقلان. وفي نهاية الآيات، يقرع القلوب، ويطرق الآذان، ويصكُّ المشاعر والأحاسيس بذلك التعقيب الإلهي العظيم، لعلهم يذكَّرون، لعلهم يتفكرون، لعلهم يتَّقون، لعلهم يرجعون، كل هذا، وهناك من هم عنه معرضون، أم تحسب أنَّ أكثرهم يسمعون. إنه حديث طويل، يطالعك في طوال السور وقصارها، لكنه مع ذلك شائق جميل، تسكن له النفس، ويتلذَّذ به السمع، وتتحرك له الأحاسيس والمشاعر، تستجيب له الفِطَر السليمة المستقيمة، ومع ذا ينبِّه الغافل، ويدمغ المجادل المكابر؛ إذ هو حق، والحق يسطع ويقطع.
والحق شمس والعيون نواظر *** لا يختفي إلا على العميان
والشرع والقرآن أكبر عُدَّة *** فهما لقطع لجاجهم سيفان

فتعالَ معي أخي لجولة أرجو ألا يستطيلها مَلُول، وألا يستكثرها مشغول، نرتاد فيها هذا الكون بسماواته وأرضه وأحيائه، متأملين، متدبِّرين (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) فاللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا، وأنت تجعل الحَزن إذا شئت سهلا.
تأمل في الوجود بعين فكر *** ترى الدنيا الدنيئة كالخيال
ومن فيها جميعًا سوف يفنى *** ويبقى وجه ربك ذو الجلال
تأمَّل واطعن برمح الحق كل معاندٍ *** واركب جواد العزم في الجولان
واجعل كتاب الله درعًا سابغًا *** والشرع سيفك وابْدُ في الميدان
السماء بغير عمدٍ ترونها من رفعها؟ بالكواكب من زيَّنها؟ الجبال من نصبها؟ الأرض من سطحها وذلَّلها وقال: (فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا) الطبيب من أرداه، وقد كان يرجى بإذن ربه شفاه؟. المريض وقد يُئِس منه، من عافاه؟ الصحيح من بالمنايا رماه؟ البصير في الحفرة من أهواه؟ والأعمى في الزِّحام من يقود خُطَاه؟ الجنين في ظلماتٍ ثلاثٍ من يرعاه؟ الوليد من أبكاه؟ الثعبان من أحياه، والسُّم يملأ فاه؟! الشَّهد من حلاَّه؟ اللبن من بين فرث ودم من صفَّاه؟ الهواء تحسُّه الأيدي ولا تراه من أخفاه؟ النَّبت في الصحراء من أرْبَاه؟ البدر من أتمَّه وأسراه؟ النخل من شقَّ نواه؟ الجبل من أرساه؟ الصخر من فجَّر منه المياه؟ النهر من أجراه؟ البحر من أطغاه؟ الليل من حاك دُجَاه؟ الصُّبح من أسفره وصاغ ضحاه؟ النوم من جعله وفاة؟ واليقظة منه بعثًا وحياة؟!! العقل من منحه وأعطاه؟ النحل من هداه؟ الطير في جو السماء من أمسكه ورعاه؟ في أوكاره من غذَّاه ونمَّاه؟ الجبار من يقصمه؟ المظلوم من ينصره؟ المضطَّر من يجيبه؟ الملهوف من يغيثه؟ الضال من يهديه؟ الحيران من يرشده؟ العاري من يكسوه؟ الجائع من يشبعه؟ الكسسسير من يجبره؟ الفقير من يغنيه؟. أنت، أنت مَنْ خلقك؟ من صوَّرك؟ من شق سمعك وبصرك؟ من سوَّاك فعَدَلَك؟ من رزقك؟ من أطعمك؟ من آواك ونصرك؟ من جعل ملايين الكائنات ترتادُ وأنت لا تشعر فَمَك؟ ولو اختفت لاختلفت وظائف فمك. من هداك؟ إنه الله الذي أحسن كل شيء خلقه. لا إله إلا هو. أنت من آياته، والكون من آياته، والآفاق من آياته، تشهد بوحدانيته. إن تأملت ذلك عرفت حقًا كونه موحدًا خالقًا؟ وكونك عبدًا مخلوقًا، الكون كتاب مسطور ينطق تسبيحًا وتوحيدًا، وذراته تهتف تمجيدًا: (هَذَا خَلْقُ اللهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ)

لله في الآفاق آيات لعل *** أقلها هو ما إليه هداك
ولعل ما في النفس من آياته *** عجب عجاب لو ترى عيناك
والكون مشحون بأسرار إذا *** حاولْتَ تفسيرًا لها أعياك
قل للطبيب تخطَّفته يد الردى *** من يا طبيب بطبِّه أرْدَاك؟
قل للمريض نجا وعُوفيَ بعدما *** عجزت فنون الطب من عافاك؟
قل للصحيح يموت لا من علة *** من بالمنايا يا صحيح دهاك؟
قل للبصير وكان يحذر حفرة *** فهَوَى بها من ذا الذي أهواك؟
بل سائل الأعمى خَطَا بين الزحام *** بلا اصطدام من يقود خطاك؟
قل للجنين يعيش معزولا بلا *** راعٍ ومرعى ما الذي يرعاك؟
قل للوليد بكى وأجهش بالبكاء *** لدى الولادة ما الذي أبكاك؟
وإذا ترى الثعبان ينفث سمَّهُ *** فاسأله من ذا بالسموم حَشَاكَ؟
واسأله كيف تعيش يا ثعبان *** أو تحيى وهذا السمُّ يملأ فَاكَ؟
واسأل بطون النَّحل كيف تقاطرت *** شهدًا وقل للشهد من حلاَّك؟
بل سائل اللبن المُصَفَّى كان *** بين دم وفرث ما الذي صفَّاك؟
وإذا رأيت الحي يخرج من *** حَنَايا ميتٍ فاسأله من أحياك؟
قل للهواء تحثُّه الأيدي ويخفى *** عن عيون الناس من أخفاك؟
قل للنبات يجفُّ بعد تعهُّدٍ *** ورعاية من بالجفاف رَمَاك؟
وإذا رأيت النَّبت في الصحراء *** يربو وحده فاسأله من أَرْبَاكَ؟
وإذا رأيت البدر يسري ناشرًا *** أنواره فاسأله من أسْرَاك؟
واسأل شعاع الشمس يدنو وهي *** أبعد كل شيء ما الذي أدناك؟
قل للمرير من الثمار من الذي *** بالمرِّ من دون الثمار غذاك؟
وإذا رأيت النخل مشقوق النوى *** فاسأله من يا نخل شقَّ نواك؟
وإذا رأيت النار شبَّ لهيبها *** فاسأل لهيب النار من أوراك؟
وإذا ترى الجبل الأشَمَّ مناطحًا *** قِمَمَ السَّحاب فسَلْه من أرساك؟
وإذا ترى صخرًا تفجر بالمياه *** فسله من بالماء شقَّ صَفَاك؟
وإذا رأيت النهر بالعذب الزُّلال *** جرى فسَلْه من الذي أجراك؟
وإذا رأيت البحر بالملح الأُجاج *** طغى فسَلْه من الذي أطغاك؟
وإذا رأيت الليل يغشى داجيًا *** فاسأله من يا ليل حاك دُجاك؟
وإذا رأيت الصُّبح يسفر ضاحيًا *** فاسأله من يا صبح صاغ ضُحَاك؟
ستجيب ما في الكون من آياته *** عجب عجاب لو ترى عيناك
ربي لك الحمد العظيم لذاتك *** حمدًا وليس لواحد إلاَّك
يا مدرك الأبصار والأبصار *** لا تدري له ولِكُنْهِهِ إدراكًا
إن لم تكن عيني تراك فإنني *** في كل شيء أستبين عُلاك

يا منبت الأزهار عاطرة الشَّذَى يا مجري الأنهار عاذبة الندى ما خاب يومًا من دعا ورَجَاك يا أيها الإنسان مهلا ما الذي بالله جل جلاله أغراك؟
أحبتي في الله، الله نصب لخلقه دلالات، وأوضح لهم آيات بيِّنات في الأنفس والأرضين والسماوات (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ) (وَفِي الأرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ)
وتحسب أنك جِرْم صغير *** وفيك انطوى عالم أكبر

تأمل –أخي- مدى معرفة الناس بالجنين قبل حوالي ثلاثين عامًا، لقد كان كائنًا حيًا لا يُعْلَم عنه إلا حركاته التي يصدرها داخل بطن أمه، ومع تطور وسائل الملاحظة والمشاهدة، ووصولها إلى بطن الجسم الإنساني -وكل ذلك بإذن الله – كالتصوير والتسجيل الضوئي والصوتي، علم أن للجنين نفسية لا ينفصل فيها عن أمه تمامًا، فتراه في حالات انكماش واكتئاب مرة، وحالات انشراح وانبساط أخرى، بل يبدي الانزعاج لبعض مخالفات أمه؛ كالتدخين مثلًا، عافانا الله وإياكم والمسلمين عمومًا.
يطلب طبيب مجرب من أم حامل في شهرها السادس كانت تعتاد التدخين أن تمتنع عنه لمدة أربع وعشرين ساعة، وهو يتابع الجنين بأجهزة التصوير الضوئي، فإذا به ساكن هادئ، وبينما هو كذلك، إذ قدم لها الطبيب لفافة؛ لفافة سيجارة –عافانا الله وإياكم- وما أن وضعتها بين أصابعها، وتمَّ إشعالها إلا وأشار المقياس إلى اضطراب الجنين تبعًا لاضطراب قلب أمه. فسبحان من جعله في وسط ظلمات ثلاث، يتأذى مما تتأذى منه أمه تبعًا، وإن لم تشعر أمه بذلك. أمكنهم أن يروه مضطربًا حينما تقع أمه في أزمة انفعال حادة؛ كغضب وخجل، أو في تأثر جسدي كوقوع على الأرض، أو اصطدام بشيء تبعًا لتأثر أمه بذلك. ثم أمكن الأطباء أن يروه هادئًا عندما تنصت أمه لسماع ما تستريح إليه من قرآن وأناشيد وغيرها. وحينما تسمع صوت أبيه، فتنصت له، رأوه كالمنصت له تبعًا لأمه. أما بعد الولادة، في أسبوعه الأول وجدوه أنه يأنس ويتبسم لصوت أبيه دون سائر الأصوات، إنها أمور مذهلة ، بل آيات بيِّنة بالغة، دالَّة على عظمة الله -سبحانه وتعالى- وعلى أحقِّيَّته بالتَّفرُّد في العبادة لا شريك له. أيضًا رأوا أنه حين ترغب الأم في الحمل، ثم تحمل، تجدها ترسل إليه -بإذن الله- موجاتٍ من العواطف المكثَّفة، وتغمره بفيض زاخر من الرضا والحنان، فيبادلها الشعور مبتهجًا، وكأنه يشكرها على حسن لقائها ورعايتها. ويعبر عن امتنانه لها بحركات لطيفة ساحرة، لا حد لعذوبتها على قلب أمه، فسبحان الله، وتبارك الله أحسن الخالقين! وحين لا ترغب الأم في الحمل، ثم تحمل مكرهة، تقطع الصِّلة العاطفية مع الجنين، فتراه يحيا منكمشًا، ثم يبدأ يتَّجه نحو المشاكسة، ويعبر عن ذلك بركلات من قدميْه تعبر عن احتجاجه واستنكاره، ولربما يصبح إسقاطا فيما بعد، وإن لم يسقط فإنه يبدو مهيأ للعناد، والرفض، والعدوان بعد ولادته، ويظهر ذلك في أول أيام ولادته.

يذكر صاحب سنريهم آياتنا أن امرأة حملت مكرهة، وحاولت إسقاط الجنين، ولم تستطع؛ إذ قد ثبته الله، فجعله في قرار مكين؛ فأنَّى لأحدٍ أن يسقطه؟. ولدت بعد ذلك، وكان المولود أنثى، ولما وُلدت رفضت أن تتناول ثدي أمها، وأصرَّت أيامًا على هذا، ولكنها مع ذلك قبلت أن ترضع من مرضعة أخرى غير أمها، عندها أغمضت عيناها، وأعيدت إلى أمها معصوبة العينين، فرفضت ثديها مرة أخري وهي لم تره، فأجرى الطبيب حوارًا مع أمها، تبين أن الأم لم تكن راغبة في الحمل، فحملت على كُرْه، وحاولت الاعتداء عليه بإسقاطه، فانعكس ذلك على الجنين بعد ولادته، فسبحان الله رب العالمين! إنها أحاسيس ومشاعر وأفعال أمه، تنعكس عليه فحسب، وإلا فهو لا يعلم شيئًا بنص قول الله -جل وعلا-: (وَاللهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) لا تعلمون شيئًا مما أخذ عليكم من الميثاق، ولا تعلمون شيئًا مما قضى به عليكم من السعادة والشقاوة، ولا تعلمون مصالحكم ومنافعكم؛ فهم يخرجون من بطون أمهاتهم لا يعلمون، وبعد خروجهم يرزقهم الله السَّمع؛ فالأصوات يدركون، ويرزقهم البصر؛ فالمرئيات يعرفون ويحسون، ويرزقهم الأفئدة؛ فبها يميِّزون، وتحصل هذه الحواس بأمر الله تدريجيًا، كلما كبر زِيدَ في سمعه وبصره حتى يبلغ أشده ليتمكن بها من عبادة ربه وطاعة مولاه –سبحانه وبحمده-. طالعت أمهات هذه الحقائق فكن يَبُحثْن عمَّا يريح أحاسيسهنَّ ومشاعرهنَّ أثناء الحمل لينعكس على أبنائهن، ينشدن ويسمعن آيات من كتاب الله، ولذا جاء في نفس الكتاب الماضي: أن سيدة حاملة في <دمشق> كانت تكثر من قراءة القرآن وسماعه قائمة وعاملة ومضطجعة، والنتيجة أنه عندما وُلِد الجنين تمكن –بفضل الله- أن يختم القرآن؛ حفظًا وتلاوة في الخامسة من عمره، فتبارك الله أحسن الخالقين! موجز القول: أن الجنين الذي يحيا في رباط مع أمه، سعيد من العواطف المُفْعَمة بالرضا والسكينة، يستجيب -بإذن ربه- بعد ولادته، معترفًا بإحسان أمه إليه في سلوك سَويٍّ ونفسية هادئة غالبًا، لسان حاله: (هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ) فيا أيها العبد العاصي، ألك قَدْر إن فارقت صراط الله ودربه؟ (أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلا وَنَسِيَ خَلْقَه) تحتَجُّ على مولاك وقد هداك، وتحيد عن الطريق وقد دلَّك وأرشدك؟ بئس العبد عبد سها ولهى ونسيَ المبدأ والمنتهى. بئس العبد عبد طغى وعَتَا ونسي الجبار الأعلى. السماء تستأذن ربها أن تَحْصدَه، والأرض أن تخسف به، والبحر أن يغرقه، من أنت؟ وما تكون الأرض وما عليها؟ ثق أنك سقطت من عين الله، ولو كان لك قدرٌ عند الله لعصمك من المعاصي.
يا أيها الماء المهين من الذي سوَّاك *** ومن الذي في ظلمة الأحشاء قد والاك
ومن الذي غذَّاك من نَعْمَائِه *** ومن الكروب جميعها نجَّاك؟
ومن الذي شقَّ العيون فأبصرت *** ومن الذي بالعقل قد حلاَّك؟
ومن الذي تعصي ويغفر دائمًا *** ومن الذي تنسى ولا ينساك
(أَإِلَهٌ مَّعَ اللهِ تَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) النوم، ما النوم ؟ هل تأملته يومًا من الأيام؟ أنت تعرفه وتمارسه كل يوم، بل إن نصف عمرك أو أقل يذهب فيه، ضرورة لا غنى عنها، بل إن حياتك مؤلفة من قسمين اثنين لا ثالث لهما، من يقظة تبتغي فيها فضل الله، وِفْقَ شرع الله، ونوم تبتغي فيه الراحة لتعاود العمل في طاعة الله، الليل لِبَاس، والنهار مَعَاش (وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ) النوم آية، بل إنه وفاة وموت؛ بنص قول الله: (اللهُ يَتَوَفَّى الأنفُسَ حِينَ مِوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا) (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ) والله -جل وعلا- لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه،" حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبُحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" كما في صحيح [مسلم].
حي وقيوم فلا ينام *** وجلَّ أن يشبه الأنام
لا تأخذه سنه ولا نوم، لا إله إلاّ هو. هل تأملت ما يجري لإنسان حين ينام وينسلخ من وعيه فيرفع عنه القلم كيف يتسرب إليه النوم، ثم يستولي عليه؟ كيف يأتيه، أو كيف يأتي هو إلى النوم؟ إن أدنى درجات النوم -كما تعلمون- نعاس يصحبه تثاؤب، ثم تزنيق وتغفيق، سمع بلا فهم، ثم في درجة أخرى يأتي الوَسَن؛ وهو أول النوم، ثم في درجة ثالثة يأتي التهويم مع الغِرَار والإغفاء، ثم السِّنَة، ثم السهاد، ثم الكرى، ثم السُّبات، ثم الرُّقاد، ثم الغطيط المتميز بالشَّخير والنَّخِير؛ وهو أعلى وأثقل درجات النَّوم. في النوم تتعطل وظائف الحس إجمالا، يتوقف البصر –أولا- بإغماض الجفون حتى لو لم تغمض العينان، كما هي عند بعض الناس، فتبقى الجفون مفتوحة، لكن الرؤية مفقودة، كذلك الموت، والنوم وفاة. الحاسة التي تبقى تعمل خلال النوم هي السمع، وقد حدَّد العلماء والباحثون استمرار السمع خلال النوم بمقدار الثلثين على تفاوت بين الناس في السمع. فما أجمل الإعجاز في كتاب الله يوم يقول: (وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ) فجمع بين النوم والسمع في سياق واحد، كما قال في سورة الكهف أيضًا: (فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا) (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا) وتحقيقًا لاستقرار النوم وعدم اضطرابه عندهم أوقف الله- تعالى- السَّمع عنهم. (وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ) أما الدِّماغ أثناء النوم فلا ينام بالمعني المفهوم، لكنه يتغير فبعد أن كان يبث على موجات عالية يصبح على موجات أقل ترددًا، ولذا رفع القلم عن النائم حتى يستيقظ؛ لأن العقل مناط التكليف كما هو معلوم . هل تأملت نائميْن متجاوريْن، ودار بِخَلَدِك أنَّ أحدهما ربما ينعم بالرؤى الصالحة بودِّه ألا يستيقظ الدهر كله مما يجد من لذة، والآخر يجاوره في شقاء يُعذَّب بالأحلام الشيطانية المزعجة، بودِّه لو لم يَنَم، ثم ساءلت نفسك، هل يعلم هذا عن مجاوره، أو ذاك عن هذا؟ أو أنت تعلم ما يدور بذهنهما. ألم يَدُر بخلدك وأنت تستعرض هذا في ذهنك أن تنتقل من هذه الصورة مباشرة إلى المقابر، فتتخيل الموتى صنوفًا بجانب بعضهم، هذا يُنعَّم، وذاك يُعذَّب (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ)
يا رب إنك ذو عفوٍ ومغفرة *** فنجِّنا من عذاب القبر والنَّكَدِ
واجعل إلى جنة الفردوس موئلنا *** مع النبيين والأبرار في الخُلْد
هل تأمَّلت قيام النائم من فراشه، وتجوله في الدار، ثم عودته إلى الفراش، وهو ما يزال في نومه؟! يذكر صاحب كتاب النوم والأرق: أن شخصًا نهض من فراشه نائمًا، وخرج من النافذة، ومشى على كورنيش العمارة من الخارج، وتجمع الناس في الشارع يحبسون أنفاسهم خشية وقوعه، وظل يمشى على الكورنيش مغمض العينين حتى دار حول العمارة، ثم عاد إلى النافذة ودخل منها ليعود إلى سريره، فيواصل نومه، ولما استيقظ لم يذكر شيئًا مما حدث له. لقد كان يتحرك وهو نائم بل يمشى على ارتفاعات شاهقة مُغمَض العينين لو كان في صحوة ما استطاع ذلك ثم يعود إلى فراشه. من الذي قاد خطاه؟! إن في هذا لدلالة قاطعة على وحدانية الله الواحد القهار؛ فإنما نفوس العباد بيده في الحياة والموت والنوم والانتباه هو الإله المتصرف فيهم جميعًا؛ فلا يسوغ لهم أن يتجهوا إلى غيره بأي حال من أحوالهم (أَإِلَهٌ مَّعَ اللهِ قَلِيلا مَّا تَذَكَّرُونَ) (وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ) آيات باهرات لا حدَّ لها ولا عدّ، كلها حق وصدق، تستحق الذكر والشكر باللسان والجنان والأركان، وقليل من العباد الشكور.
لو كنت أعرف فوق الشكر منزلة *** أعلى من الشكر عند الله في الثمن
إذًا منحتكها ربي مهذبة *** شكرًا على صنع ما أوليت من حسن
اللهم لك الحمد أولا وآخر، وظاهرًا وباطنًا. إنها آيات في الأنفس تنطق بحكمة الخالق وعظمته، هل استعظمتم هذا؟ هل استكبرتم هذا؟ إن هناك مَا هو أعظم وأكبر(لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) تأمل السماء ثم ارجع البصر إليها أخرى، انظر فيها وفي كواكبها، دورانها، وطلوعها، وغروبها، واختلاف ألوانها وكثرتها، وشمسها وقمرها، باختلاف مشارقها ومغاربها، حركتها من غير فتور ولا تغير في سيرها، تجري في منازل قد رتِّبت لها بحساب مُقدَّر لا يزيد ولا ينقص إلى أن يطويها فاطرها. تأمل تجد أنه ما من كوكب إلا ولله من خَلْقِه حِكْمَة، في مقداره، في شكله، في لونه، في موضعه في السماء، في قربه من وسطها وبُعْدِه، في قربه من الكواكب التي تليه وبعده، على صفحة سماوات ترونها أُمْسِكت مع عِظَمِها وَعِظَم ما فيها، فثبتت بلا علائق من فوقها، ولا عُمُدٍ من تحتها. (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا) (وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَن تَقَعَ عَلَى الأرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ) والإنسان العاقل أمام بديع صنع الله في سماواته يتوقف طويلا أمام أصغر جسم، وأعظم جسم، يرى فيها فتثبت له أدلة الإيمان، بعظمة الخالق في ملكوته، فما يملك إلا أن تخشع جوارحه، وتخضع، وتذل، وتستجيب، فتَقْدُر الله حقَّ قَدْرِه، وتفرده بالعبادة وحده لا شريك له.
فسبحان الله لا يَقْدُر الخَلْقَ قَدْرِه *** ومن هو فوق العرش فردٌ موحَّد
(تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) نظر أحد علماء الفلك الكفار إلى السماء من خلال منظار بَنَاه بنفسه، فرأى ما أذهله في هذا الكون، فقال: إن الإنسانية لن تنتهي من سَبْر أغوار الكون، ولن تعرف من الكون إلا مقدار ما نعرفه من نقطة ماء في محيط عظيم. فهل آمن مع ذلك وصدَّق؟ لا، وصدق الله (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) وقال آخر أيضًا: إن وضع الأجرام السماوية ليس مجرد مصادفة وعشوائية، بل هي موضوعة في الفضاء بدقَّة وإتقان؛ إذ أن القمر لو اقترب من الأرض بمقدار ربع المسافة التي تفصلنا عنه لأغرق مدّ البحر الأرض كلها، وما علاقة القمر بالبحر؟! الله يعلمها الذي قال وصدق: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآَفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) ولا يزال علماء الفلك يكتشفون من خلال تجاربهم ومراصدهم ومناظيرهم كل يوم ما يشْدَهُ ويدهش العقول في هذا الكون الفسيح، حتى قال مكتشف الجاذبية معبرًا عن اكتشافه وضآلة ما اكتشفه بجانب ذلك الخلق العظيم، يقول: لست أدري كيف أبدو في نظر العالم، ولكني في نظر نفسي، وأنا أبحث في هذا الكون أبدو كما لو كنت غلامًا يلعب على شاطئ البحر، ويلهو بين حين وآخر بالعثور على حَجَر أملس، أو محارة بالغة الجمال، في الوقت الذي يمتد فيه محيط الحقيقة أمامي دون أن يسبر أحد غوره، نعم (وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلا) لقد رأى البروج الصغيرة وهي تتألف من عشرة ملايين نجم قد عُرِف منها ما عُرِف، ورأى العملاقة وقد وصل عدد نجومها المعروفة لنا إلى عشرة آلاف مليار نجم يرتبط بعضها ببعض في غاية دقة وإحكام.
الله أحكم خلق ذلك كله *** صنعًا وأتقن أيما إتقان

نعم، لقد رأى مجموعة النظام الشمسي، وقد تألَّفت من مائة مليار نجم، قد عُرِف وعرف منها الشمس، وتبدو هذه المجموعة كقرص قطره تسعون ألف سنة ضوئية، وسمكه خمسة آلاف سنة ضوئية، ومع هذا البعد الشاسع فإن ضوء الشمس يصلنا في لحظات، وكذلك نور القمر. بل قد رأى هناك مجموعات تكبرها بعشرات المرات، أحصى منها مائة مليار مجموعة تجري، كلها في نظام دقيق بسرعة هائلة، كل في مساره الخاص دون اصطدام، كل يجري لأجل (تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا) هذا الذي رآه، وما لم يره أكثر، فقد قال الله -عز وجل-: (فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ)
ويقول أحد كبار علماء الفلك – وهو يهودي –: أريد أن أعرف كيف خلق الله الكون، أريد أن أعرف أفكاره. الله بارع حاذق ليس بشرِّير، الله لا يلعب بالنرد مع الكون، تعالى الله، وجلَّ الله (وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللهِ تُنكِرُونَ) كيف لو اطَّلع على ما جاء في القرآن، لربما كان من المؤمنين حقًا. نعم، الله لا يلعب مع الكون، عز وجل، وتبارك وتعالى وتقدس هو القائل: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ * لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ * بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ) أحبتي في الله؛ ما الأرض بالنسبة للكون إلا كحبة رمل في صحراء الربع الخالي تسير في مسار حول الشمس دون أن يصطدم بها ملايين النجوم، والكواكب المنتشرة في الكون. أما إننا لو علمنا ذلك يقينًا لاعترانا رهبة وخشوع يقود إلى امتثال لأمر الله في غاية حب وذل، وعندها نزكو ونفلح، يوم يفلح مَن نفسَه زكَّاها. إن السماء وتناثر الكواكب فيها أجمل مشهد تقع عليه العين، ولا تمل طول النظر إليه أبدًا، ولهذا أخي المسلم فإني أدعوك إلى أن تطلع على شيء من علم الفلك، ثم اخلُ بنفسك بضع دقائق في ليل صفا أَدِيمه، وغاب قمره، ثم تأمل عالم النجوم ، واعلم أن ما تراه ما هو إلا جزء يسير من مائة مليار مجموعة قد عرفت، وكثير منها لم يعرف، كل منها في مسارها يسير، لا يختلط بغيره. وأنت تتأمل انقل تفكيرك إلى ما بثَّه الله في السماوات من ملائكة لا يحصيهم إلا هو، فما من موضع أربعة أصابع إلا وملك قائم لله؛ راكع أو ساجد، يطوف منهم بالبيت المعمور في السماء السابعة كل يوم سبعون ألفًا لا يعودون إليه إلى قيام الساعة. "أطَّت السماء وحقَّ لها أن تئط" كما جاء في الصحيح. ثم انقل نفسك أخرى وتجاوز تفكيرك إلى بصيرة يسير قلبك بها إلى عرش الرحمن، وقد علمت بالنقل سعته وعظمته ورفعته، عندها تعلم أن السماوات بملائكتها، ونجومها، ومجرَّاتها، ومجموعاتها، والأرضين بجبالها، وبحارها، وما بينهما بالنسبة للعرش كحلقة مُلْقاة بأرض فلاة. فلا إله إلا الله! وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير
الملائكة حفت من حول العرش، يسبحون، ويحمدون، ويقدسون، ويكبرون، والأمر يتنزل من الله بتدبير الممالك التي لا يعلمها إلا الله. يتنزل الأمر بإحياء قوم، وإماتة آخرين، وإعزاز قومٍ، وإذلال قوم، وإنشاء مُلْك، وسلب ملك، وتحويل نِعَم، وقضاء حاجات، من جبر كسير، وإغناء فقير، وشفاء مريض، وتفريج كرب، ومغفرة ذنب، وكشف ضُر، ونصر مظلوم، وهداية حيران، وتعليم جاهل، وردّ آبق، وأمان خائف، وإجارة مستجير، وإغاثة ملهوف، وإعانة عاجز، وانتقام من ظالم، وكف عدوان من معتدٍ. مراسيم تدور بين العدل والفضل، والحكمة والرحمة، تنفذ أقطار العالم، لا يشغله سمع شيء منها عن سمع غيره، ولا تُغلطه كثرة المسائل والحوائج على تباينها واتحاد وقتها، لا يتبرم من إلحاح الملحِّين، لا تنقص ذرة من خزائنه، لا إله إلا هو! ذلكم الله ربكم، فتبارك الله رب العالمين. عندها حق للقلب والجوارح أن تسجد مطرقة لهيبته، عانية لعزَّته، سجدة لا يرفع الرأس منها إلى يوم المزيد، يلْهَج صاحبها مرددًا (رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارَ) هل تأملت اختلاف الألسنة واللغات وتباينها من عربية وعجمية؛ كرومية وفارسية وتركية، وغيرها من اللغات، لا لغة تشبه لغة، ولا صوت يشبه صوتًا إِنَّ في ذلك لآَية ثم هل تأملت اختلاف الألوان من بيض وسود، وحمر وصفر وخضر، لا لون يشبه لونًا، حتى صار كل واحدٍ متميزًا بينكم لا يلتبس هذا بذاك. بل في كل فرد ما يميزه عن غيره، مع أن الجميع أولاد رجل واحد، وامرأة واحدة؛ آدم وحواء –عليهما السلام-. إن في هذا من بديع قدرة الله ما يستحق أن يفرد معه بالعبودية، وما يعقله إلا العَالِمُون، ولا يفهمه إلا المتفكرون. (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِّلْعَالَمِينَ) تأمل تعاقب الليل والنهار بصورة معتدلة، وتفاوت الليل عن النهار، وكلا عن مثله، فلا ليل يشبه ليلا، ولا نهار يشبه نهارًا مذ خلق الله الخلق وحتى قيام الساعة، إن ذلك من أعجب وأبدع آيات الله الدالة على ربوبيته وألوهيته وحكمته (وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْل وَالنَّهَار) (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا) إن تعاقب الليل والنهار نعمة عظيمة؛ إذ هي تنظم وجود الأحياء على الأرض، من نمو النبات، وتفتُّحُ الأزهار، ونضج الثِّمار، وهجرة الطيور والأسماك والحشرات، ومن شاء فليتصور ليلا بلا نهار، أو نهارًا بلا ليل، كيف تكون الحياة؟ (قُلْ أَرأيتُمْ إِن جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ يأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرأيتُمْ إِن جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفلاَ تُبْصِرُونَ) أما إنها لو سكنت حركة الشمس لغرق نصف الأرض في ليل سرمدي، وغرق نصفها الآخر في نهار سرمدي، وتعطلت مع ذلك مصالح ومنافع، ومن عاش في المناطق القطبية بعض الوقت عرف نعمة تعاقب الليل والنهار؛ إذ يبقى النهار لمدة ستة أشهر، والليل كذلك. (وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ الْلَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) يقول رائد الفضاء السوفيتي الملحد عندما أصبح حول الأرض، ونظر من كُوَّة مركبته فرأى بديع خلق الله في السماوات والأرض، فقال: ماذا أرى؟! أنا في حلم أم سُحِرَت عيناي، ثم يقول: في الفضاء يحل الليل بصورة مفاجئة، وبسرعة تقطع الأنفاس، وتعمي العيون بلا تدرج كما هو الحال على الأرض، وليل الفضاء الخارجي من أشد الأشياء السوداء التي رأيتها في حياتي، يقول: ثم تظهر الشمس فجأة، وتلمع كأنها ضوء صاعقة مبدّدة خلال ثوانٍ في وسط الليل الحالك، فلا تدرج في الفضاء، بل ثوان وأنت في ليل مظلم في أَحْلَك الظلمات، وثوان أخرى وأنت في نهار ساطع النور وهاج يبدد الظلمات. فيا لها من نعمة، نعمة الشروق والغروب، والليل والنهار، التي أقسم الله –عز وجل- بها في عدة آيات فقال: (فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ * عَلَى أَن نُّبَدِّلَ خَيْرًا مِّنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ) وقال: (وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا) ولك أن تتأمل أخرى، في قائل هذه الكلمات الشيوعي الملحد؛ فالبرَّغم من بديع ما رأى خلال دورانه حول الأرض إلاّ أنه لم يَرِد على لسانه سوى الإعجاب بما صنعه الإنسان، والذُّهول أمام عظمة الكون، ثم السكوت المطلق عن خالق الكون ومبدعه، واستحقاقه للعبادة وحده لا شريك له، فسبحان الله! (ومَن يُّضْلِلِ اللهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) (إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ) (إِنَّ الإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) تأمل كيف جعل الله الليل سكنًا ولباسًا؟ يغشى العالم فتسكن فيه الحركات، وتأوي إلى بيوتها الحيوانات، وإلى أوكارها الطير والحشرات، تستجمُّ فيه النفوس، ومن كَدِّ السعي والنَّصَب فيه تستريح، حتى إذا أخذت النفوس راحتها وَسُبَاتها وتطلَّعت إلى معاشها جاء فالق الإصباح –سبحانه- بالنهار يقدُمه بشير الصباح، فيهزم الظُلْمَة ويمزِّقها كل مُمَزَّق، ويكشفها عن العالم فإذا هم مبصرون. فينتشر الحيوان، وتخرج الطير من أوْكارِها لتطلب معاشها ومصالحها. فيا له من معادٍ ونشأة دالة على قدرة الله على المعاد الأكبر. (يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ) ويا سبحان الله كيف يُعْمِي عن هذه الآيات البينة من شاء من خلقه فلا يهتدي بها، ولا يبصرها؛ كمن هو واقف في الماء إلى حَلْقِه وهو يستغيث من شدة العطش وينكر وجود الماء. يهدي الله من يشاء، ويضل من يشاء، يحكم لا معقِّب لحكمه، لا إله إلا هو، له الحكم وإليه ترجعون. ثم تأمل هذه الأرض بينما هي هادئة ساكنة وادعة؛ مهاد وفراش، قرار وذلول، خاشعة، إذا بها تهتز، تتحرك، تثور، تتفجر، تدمّر، تبتلع، تتصدع، زلازل، خَسْف، براكين، تجدها آية من آيات الله، وكم لله من آية يخوف الله بها عباده لعلَّهم يرجعون!، وهي مع ذلك جزاء لمن حقَّ عليه القول. وهي –أيضًا- تذكير بأهوال الفزع الأكبر، يوم يُبعثون ويُحشرون، وعندها لا ينفع مال ولا بنون. يذكر صاحب علوم الأرض القرآنية أنه قبل حوالي خمسة قرون ضرب زلزال شمال الصين عشر ثوان فقط، هلك بسببه أربعمائة ألف وثلاثون ألف ألف شخص، وقبل ثلاثة قرون ضرب زلزال مدينة <لشبونة> في <البرتغال> لعدة ثوان، هلك فيه ستمائة ألف، وشعر الناس برعب وهَلَع وجزع إثر ارتجاج الأرض تحت أقدامهم على مساحة ملايين الأميال، فنعوذ بالله أن نُغْتَال من تحتنا.
وانفجرت جزيرة <كاراكات> في المحيط الهندي قبل قرن، فسُمِع الانفجار إلى مسافة خمسة آلاف كيلو متر، وسجلته آلات الرصد في العالم، وتحولت معه في ثوان جزيرة حجمها عشرون كيلو مترًا مربعًا إلى قطع نثرها الانفجار على مساحة مليون كيلو متر مربع، وارتفعت أعمدة الدخان والرَّماد إلى خمسة وثلاثين كيلو متر في الفضاء، وأظلمت السماء على مساحة مئات الكيلو مترات حاجبة نور الشمس لمدة سنتين، وارتفعت أمواج البحر إلى علوّ ثلاثين مترًا، فأغرقت ستة وثلاثين ألف نسمة من سكان <جاوا> و <سمطرا> (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُو) (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ)
(قتل الإنسان ما أكفره) يسمع ويرى آيات الله من زلازل وبراكين وأعاصير وأوبئة تحصد الآلاف في ثوانٍ فلا يتأمل ولا يتدبر ولا يرعوي ولا يقدر الله حق قدره بل يعيد ذلك أحياناً إلى الطبيعة في بلادة وبلاهة لا مثيل لها (وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون) لا يملك المسلم إزاء هذه البلاهة والبلادة إلا أن يقول بقول الله (ولا يظلم ربك أحدا)( ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكذبون ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون) فإلى أولي الألباب(أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصباً فستعلمون كيف نذير) تأمل الهواء تجده آية من آيات الله الباهرة وقد حبسه الله بين السماء والأرض يدرك ولا يرى ، جعله الله ملكاً للجميع ولو أمكن الإنسان التسلط عليه لباعه واشتراه وتقاتل مع غيره عليه كما فعل في أكثر الأشياء التي سخرها المولى له وجعلها أمانة بين يديه ، والله بحكمته جعل الهواء يجري بين السماء والأرض ، الطير فيه محلقة سابحة كما تسبح حيوانات البحر في مائه ، ويضطرب عند هيجانه كما تضطرب أمواج البحر عند هيجانها يحركه الله بأمره فيجعله رياحاً رخاءً وبشرى بين يدي رحمته فبين مبشرات ولواقح وذاريات ومرسلات ويحركه فيجعله عذابا عاصفاً قاصفاً في البحر وعقيماً صرصراً في البر (وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون) تتوزع على سطح الأرض تحت نظام محكم فتلقح الأزهار والسحاب فتبارك من جعلها سائقة للسحاب تذروه إلى حيث الله شاء فهل تأملت يوماً من الأيام سحاباً مظلماً قد اجتمع في جوٍ صافٍ لا كدر فيه وهو لينٌ رخو حامل للماء الثقيل بين السماء والأرض حتى إذا أذن له خالقه أرسل الريح تلقحه وتسوقه فينزل قطرة قطرة ، لا تختلط قطرة بأخرى ، ولا تدرك قطرة صاحبتها فتمتزج بها ، بل كل واحدة في طريق مرسوم لها حتى تصيب الأرض التي عينت لها لا تتعداها إلى غيرها ، لا قطرة إلا وينزل نحوها ملك إلى الآكام والقيعان ، هل تأملت ذلك؟ أحسب أنك تقول نعم ومعها لا إله إلا الله ، أإله مع الله؟ تعالى الله عما يشركون ، تأمل معي البحر بأمواجه وأحيائه تجده آية من آيات الله وعجائب مصنوعاته وكم لله من آية ثم أضف إلى علمك أن الماء في الأرض يملأ ثلاثة أرباع سطح الأرض فما الأرض بجبالها ومدنها وسهولها وأوديتها بالنسبة إلى الماء إلا كجزيرة صغيرة في بحر عظيم يعلوها الماء من كل جانب وطبعها العلو ولولا إمساك الرب ، سبحانه وبحمده له بقدرته ومشيئته لطفح على الأرض فأغرقها ودمرها وجعل عاليها سافلها ، فتبارك الله لا إله إلا هو رب العالمين ، ثم تأمل معي أخرى عجائب البحر وما فيه من الحيوانات على اختلاف أجناسها وأشكالها ومنافعها ومضارها وألوانها تجد عجباً وقدرة قادر جل وعلا ، في البحار حيوانات كالجبال لا يقوم لها شيء ، وفيه من الحيوانات ما يرى من ظهورها فيظن من عظمها أنها جزيرة فينزل عليها الركاب ويشعلوا نارهم فتحس بالنار إذا أوقدت فتتحرك فَيُعْلَم أنه حيوان كما ذكر [ابن القيم] ذلك في مفتاح دار السعادة ثم قال بعد ذلك ابن القيم: وما من صنف من أصناف حيوان البر إلا وفي البحر أمثاله بل فيه أجناس لا يعهد لها نظير أصلا ، مع ما فيه أيضاً من اللآلئ والجواهر و المرجان فسبحان الخالق الرحيم الرحمن ، ثم انظر إلى السفن وسيرها في البحر تشقه وتمخر عبابه ، بلا قائد يقودها ولا سائق يسوقها ، وإنما قائدها وسائقها الريح الذي سخره الله لإجرائها ، فإذا حبست عنها الريح ظلت راكدة على وجه الماء ، فذاك قول الله ( ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور) نعم ، سخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره ، لا بأمر غيره سبحانه وبحمده ، سخرها بأمره تجري ليست وفق رغبات النفوس الأمارة بالسوء ، ولا رغبات الجشعين من الأفراد والهيئات التي استعملت أساطيلها منذ أقدم العصور إلى يومك هذا لقهر الإنسان ونهب خيراته واحتقار آدميته ، فلك الحمد ربنا ، ولك الأمر من قبل ومن بعد ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ، في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي ، صنع الإنجليز باخرة عظيمة ، كانت كما يقولون فخر صناعاتهم ، ثم انطلقت في رحلة ترفيهية حاملة على متنها علية القوم ونخبة المجتمع كما يصفون أنفسهم ، وقد بلغ الفخر والاعتزاز ببناة السفينة درجة كبيرة من الصلف والغرور فسموها الباخرة التي لا تقهر ، بل سمع أحد أفراد طاقمها يتشدق فخراً أمام بعض كبار ركابها بما ترجمته : حتى الله نفسه لا يستطيع أن يغرق هذا المركب ، جل الله وتعالى وتقدس لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء ،يحيي ويميت ، فإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون وفي اليوم الثالث من سيرها في المحيط الأطلسي وفي خضم كبرياء صناعها وركابها تصطدم بجبل جليدي عائم فيفتح فيها فجوة بطول تسعين متراً ، وبعد ساعتين وربع تستقر الباخرة التي لا تقهر ـ كما زعموا ـ في قعر المحيط ومعها ألف وخمسمائة وأربع ركاب وحمولة بلغت ستة وأربعين ألف طن ، (فكلاً أخذنا بذنبه ، فمنهم من أرسلنا عليه حاصباً ، ومنهم من أخذته الصيحة ، ومنهم من خسفنا به الأرض ، ومنهم من أغرقنا) (وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) ، تأمل معي أخرى كيف مد الله البحار ، وخلطها ، وجعل مع ذلك بينه حاجزاً ومكاناً محفوظاً ، فلا تبغي محتويات بحرٍ على بحر ، ولا خصائص بحرٍ على آخر عندما يلتقيان ، (إن في ذلك لآياتٍ لأولي النهى) في <إيران> أنهار عندما تلتقي بمياه البحر ترجع مياهها عائدة إلى مجاريها التي جاءت منها ، ونهر<الأمازون> يجعل مياه المحيط الأطلسي عذبة لمئات الكيلو مترات من مصبه فيه فلا يختلط بمياه المحيط الأطلسي ، وتلتقي مياه المحيط الأطلسي بمياه البحر الأبيض فتبقى مياه البحر الأبيض أسفل لثقلها ولكثرة ملحها وتعلو مياه المحيط لخفتها ، وكل بمقدرة ، وكذلك لا تختلط مياه البحر الأسود بمياه البحر الأبيض عندما تلتقي بل تشكل مجريين متلاصقين فوق بعضهما البعض ، فمياه الأسود تجري في الأعلى نحو مياه البحر الأبيض لأنها أخف ، ومياه البحر الأبيض تجري في الأسفل لأنها أثقل فتجري نحو البحر الأسود ، فتبارك الذي (مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل بينهما برزخاً وحجراً محجورا لا إله إلا هو سبحانه وتعالى عما يشركون ) ، عجائب البحر أعظم من أن يحصيها أحد إلا الله ، كشف علماء البحار من النصف الثاني من القرن العشرين أن في البحار أمواجاً عاتية دهماء مظلمة حالكة ، إذا أخرج المرء يده لم يكد يراها فعلى عمق ستين متراً عن سطح البحر يصبح كل شيء مظلماً في البحار ، بمعنى أننا لا نستطيع رؤية الأشياء في أعماق تبعد ستين متراً عن سطح البحر ، ولذلك زود الله الأحياء البحرية التي تعيش في أعماق البحار اللجية بنور تولده لنفسها ومن لم يجعل الله له نوراً في تلك الظلمات فما له من نور ، نسي هؤلاء المكتشفون أن ا


خطبة الجمعه - صفحة 2 Gallery_1238003433
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
abdo mamdouh
مستشاراداري
مستشاراداري
abdo mamdouh

ذكر
عدد المساهمات : 2131
الدولة : مصر
وسام اوفياء المنتدى
تاريخ التسجيل : 13/03/2011
العمر : 25
الموقع : Ägypten
مزاجى : خطبة الجمعه - صفحة 2 665449037
المهنة : خطبة الجمعه - صفحة 2 Studen10

خطبة الجمعه - صفحة 2 Empty
مُساهمةموضوع: رد: خطبة الجمعه   خطبة الجمعه - صفحة 2 I_icon10الجمعة 23 سبتمبر - 20:01

اليوم جبتلكم الخطبه بشكل مختلف

ارجو الاستفاده

https://www.youtube.com/watch?v=AxJPfS6aYgo


خطبة الجمعه - صفحة 2 Gallery_1238003433
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
اشرف السويفى
مشرف عام
مشرف عام
اشرف السويفى

ذكر
عدد المساهمات : 602
خطبة الجمعه - صفحة 2 7aV76083
الدولة : مصر
تاريخ التسجيل : 08/04/2011
العمر : 25
الموقع : مصراوى
مزاجى : خطبة الجمعه - صفحة 2 49303857250
المهنة : خطبة الجمعه - صفحة 2 Collec10

خطبة الجمعه - صفحة 2 Empty
مُساهمةموضوع: رد: خطبة الجمعه   خطبة الجمعه - صفحة 2 I_icon10الجمعة 23 سبتمبر - 20:56

الله يا عبده يا بتاع كل جديد


file:///E:/ashraf%20man%20united/my%20photo/210915_356047524475428_1822849833_o.jpg
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
إيمان عيد
نجم المنتدى
نجم المنتدى
إيمان عيد

انثى
عدد المساهمات : 643
خطبة الجمعه - صفحة 2 7aV76083
الدولة : مصر
وسام العضوة المميزة
تاريخ التسجيل : 31/10/2012
العمر : 20
وسام التواصل
الموقع : ادكو
مزاجى : خطبة الجمعه - صفحة 2 823931448
المهنة : خطبة الجمعه - صفحة 2 Profes10

خطبة الجمعه - صفحة 2 Empty
مُساهمةموضوع: رد: خطبة الجمعه   خطبة الجمعه - صفحة 2 I_icon10الأحد 30 ديسمبر - 17:28

موضوع رائع

جزاكم الله كل خير

وهذه خطبة الشيخ محمد العريفى عن مصر

https://www.youtube.com/watch?v=dzTut-MerrE&feature=player_detailpage#t=1485s


كل سنة وانتو طيبين

خطبة الجمعه - صفحة 2 I_b80ed3a9ea1
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
abdo mamdouh
مستشاراداري
مستشاراداري
abdo mamdouh

ذكر
عدد المساهمات : 2131
الدولة : مصر
وسام اوفياء المنتدى
تاريخ التسجيل : 13/03/2011
العمر : 25
الموقع : Ägypten
مزاجى : خطبة الجمعه - صفحة 2 665449037
المهنة : خطبة الجمعه - صفحة 2 Studen10

خطبة الجمعه - صفحة 2 Empty
مُساهمةموضوع: رد: خطبة الجمعه   خطبة الجمعه - صفحة 2 I_icon10الثلاثاء 1 يناير - 19:43

جميل بارك الله لك


خطبة الجمعه - صفحة 2 Gallery_1238003433
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ابنت سنا مصر
مشرفة
مشرفة
ابنت سنا مصر

انثى
عدد المساهمات : 1465
خطبة الجمعه - صفحة 2 7aV76083
الدولة : مصر
تاريخ التسجيل : 06/07/2013
العمر : 19
الموقع : ادكو مدينه النجوووووووووووم
مزاجى : خطبة الجمعه - صفحة 2 665449037
المهنة : خطبة الجمعه - صفحة 2 Pharma10

خطبة الجمعه - صفحة 2 Empty
مُساهمةموضوع: رد: خطبة الجمعه   خطبة الجمعه - صفحة 2 I_icon10الثلاثاء 20 أغسطس - 17:13

أما بعد
أيها الأحبة في الله، أحب أن أذكركم في هذه الخطبة، بهذا اليوم العظيم الذي نحن فيه، وهو يوم الجمعة، لأن بعض المسلمين يغفلون عن هذا اليوم، ويغفلون عما في هذا اليوم، الجمعة يوم عظيم من أيام الله، له من الفضائل، والخصائص، والمزايا، ما لا يوجد في غيره من الأيام. إنه عيد الأسبوع، وشعيرة كبرى، وموسم كريم يتكرر كل سبعة أيام، اختص الله عز وجل هذه الأمة بهذا اليوم، ضلت عنه الأمم قبلنا، وهدانا الله له، كان لليهود يوم السبت، وللنصارى يوم الأحد، ففي الصحيحين عن النبي أنه قال: ((نحن الآخرون الأولون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ثم هذا يومهم الذي فرض الله عليهم فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، والناس لنا فيه تبع، اليهود غداً، والنصارى بعد غد))، وفي جامع الترمذي من حديث أبى هريرة رضي الله عنه، عن النبي قال: ((خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة)).
فيوم الجمعة ـ أيها المسلمون ـ هو يوم من أيام الله العظيمة، وهو من أعظم الأيام عند الله قدرًا، وأجلها شرفًا، وأكثرها فضلاً، فقد اصطفاه الله تعالى على غيره من الأيام، وفضله على ما سواه من الأزمان، واختص الله به أمة الإسلام، فقد ضلت عنه اليهود والنصارى، وهدى الله تعالى إليه أمة الإسلام، فعن أبي هريرة وحذيفة بن اليمان رضى الله عنهما قالا: قال رسول الله : ((أضل الله عن يوم الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يومُ السبت، وكان للنصارى يومُ الأحد، فجاء بنا فهدانا الله ليوم الجمعة، فجعل الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة)).
وفي لفظ متفق عليه من حديث أبي هريرة مرفوعًا قال : ((نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بَيدَ أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم, هذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، فهم لنا فيه تبع، فاليهود غدًا، والنصارى بعد غد)).
وجاء رجل من اليهود إلى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين، إنكم تقرؤون آية في كتابكم، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا، قال عمر: (وأي آية؟) قال: قوله: ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى [المائدة:3]، فقال عمر: (والله، إني لأعلم اليوم الذي نزلت على رسول الله، والساعة التي نزلت فيها على رسول الله؛ عشية عرفة في يوم جمعة وكلاهما لنا عيد).
واليهود ـ عباد الله ـ يحسدوننا على هذا اليوم، فعن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: بينما أنا عند النبي إذ استأذن رجل من اليهود، فأذن له، فقال: السَّام عَليك، والسام بمعنى الموت، فقال : ((وعليك))، قالت: فهممت أن أتكلم، قالت: ثم دخل الثانية، فقال مثل ذلك، فقال النبي : ((وعليك))، قالت: فهممت أن أتكلم، ثم دخل الثالثة، فقال: السَّام عليكم، قالت: فقلت: بل السام عليكم وغضب الله، إخوان القردة والخنازير، أتحيّون رسول الله بما لم يُحيَّه به الله عز وجل؟! قالت: فنظر إليَّ فقال: ((مَهْ! إن الله لا يُحب الفحش ولا التفحش، قالوا قولاً فرددناه عليهم، فلم يضرنا شيئًا، ولزمهم إلي يوم القيامة، إنهم لا يحسدوننا على شيء كما يحسدوننا على الجمعة التي هدانا الله لها، وضلوا عنها)).
وقد خصّ الله سبحانه يوم الجمعة بخصائص عظيمة، فعن أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول الله قال: ((خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خُلق آدم عليه السلام، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة)).
فيوم الجمعة هو اليوم الذي كمل فيه الخلق، فالله سبحانه وتعالى خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ابتداء من يوم الأحد وانتهاء بيوم الجمعة، وفي يوم الجمعة خلق آدم وأدخل الجنة وأخرج منها، وفيه يطوَى العالم، وينتهي أمد الدنيا، فتخرب وتزول، وتقوم الساعة، وفيه يُبعَث الناس إلى منازلهم من جنة أو نار، وفيه تفزع الخلائق كلها إلا الإنس والجن، فعن أبي هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله : ((خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة)) إلى أن قال: ((وما من دابة إلا وهي مُصيخة يوم الجمعة، من حين تصبح حتى تطلع الشمس شفقًا من الساعة، إلا الجن والإنس)).
وزيادةً على هذا فإن يوم الجمعة موافق ليوم المزيد في الجنة، وهو اليوم الذي يجمع فيه أهل الجنة في وادٍ أفيح، ويُنصب لهم منابرُ من لؤلؤ، ومنابر من ذهب، ومنابر من زَبَرجَد ـ وهو نوع من الأحجار الكريمة ـ، وياقوت على كثبان المسك، فينظرون إلى ربهم تبارك وتعالى ويتجلى لهم، فيرونه عيانًا، ويكون أسرعهم موافاة أعجلهم رواحًا إلى المسجد، وأقربهم منه أقربهم من الإمام، وفي حديث أنس الطويل: ((فليس هم في الجنة بأشوق منهم إلى يوم الجمعة، ليزدادوا نظرًا إلي ربهم عز وجل وكرامته، ولذلك دعي يوم المزيد)).
ومن فضائل هذا اليوم أن فيه ساعة الإجابة، وهي الساعة التي لا يسأل الله عبد مسلم فيها شيئًا إلا أعطاه، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله : ((إن في الجمعة لساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يُصلي يسأل الله شيئًا إلا أعطاه إيَّاه))، وقال بيده يُقللَّها، وجاء في رواية مسلم أن وقتها بعد العصر قبل المغرب.
ومما ورد في فضل الجمعة كذلك بسند صحيح قول النبي : ((أفضل الصلوات عند الله صلاة الصبح يوم الجمعة في جماعة)).
وكما ورد في فضلها ما جاء بسند صحيح أن النبي قال: ((من مات في يوم الجمعة أو ليلته وقاه الله فتنة القبر)) وهذا من علامة حسن الخاتمة للمسلم الموحد.
وكان من هديه تعظيم هذا اليوم وتشريفه وتخصيصه بعبادات، ومما أرشد إليه ، استحباب قراءة سورة الكهف يوم الجمعة، فعن أبي سعيد الخدري أن النبي قال: ((من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له النور ما بين الجمعتين))، وفي رواية له: ((من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة سطع له نور من تحت قدمه إلي عَنان السماء يضيء به يوم القيامة، وغفر له ما بين الجمعتين)).
كما أوصى بكثرة الصلاة عليه في يوم الجمعة وفي ليلته، قال في حديث أنس: ((أكثروا من الصلاة عليَّ يوم الجمعة وليلة الجمعة))، وعن أوس بن أوس الثقفي رضى الله عنه قال: قال رسول الله : ((من أفضل أيامكم يوم الجمعة؛ فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة عليَّ))، قالوا: يا رسول الله، وكيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرِمْتَ؟! فقال: ((إن الله عز وجل حرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء)).
قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: "رسول الله سيد الأنام، ويوم الجمعة سيد الأيام؛ فللصلاة عليه في هذا اليوم مزية ليست لغيره، مع حكمة أخرى وهي أنّ كل خير نالته أمته في الدنيا والآخرة فإنما نالته على يده، فجمع الله لأمته بين خيري الدنيا والآخرة، فأعظم كرامة تحصل لهم فإنما تحصل يوم الجمعة، فإن فيه بعثهم إلى منازلهم وقصورهم في الجنة، وهو يوم المزيد لهم إذا دخلوا الجنة، وهو يوم عيد لهم في الدنيا، ويوم فيه يسعفهم الله تعالى بطلباتهم وحوائجهم، ولا يردّ سائلهم، وهذا كله إنما عرفوه وحصل لهم بسببه وعلى يده ، فمِن شُكره وحَمده وأداء قليل من حقه أن نكثر من الصلاة عليه في هذا اليوم وليلته، وقد قال الله عز وجل: إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىّ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب:56].



الخطبة الثانية 
يقول الله عز وجل: يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُواْ فِى ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الجمعة:9، 10].
إن من أعظم خصائص هذا اليوم المبارك صلاة الجمعة التي أمر الله بها عباده المسلمين، قال ابن القيم رحمه الله: "الخاصة الثالثة: صلاة الجمعة التي هي من آكد فروض الإسلام، ومن أعظم مجامع المسلمين، وهي أعظم من كل مجمع يجتمعون فيه وأفرضُه سوى مجمع عرفة، ومن تركها تهاونًا بها طبع الله على قلبه".
وإنه من كبائر الذنوب ـ يا عباد الله ـ أن يتخلف المسلم عن حضور الجمعة من غير عذر شرعي، فقد شدّد رسول الله في التحذير من ذلك مبينًا أنّ من فعل ذلك فقد عرّض نفسه للإصابة بداء الغفلة عن الله والطبع على قلبه، ومن طبع الله على قلبه عميت بصيرته وساء مصيره، روى مسلم في صحيحه أن رسول الله قال: ((لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين))، وروى الإمام أحمد بإسناد حسن والحاكم وصححه عن أبي قتادة رضي الله عنه أن رسول الله قال: ((من ترك الجمعة ثلاث مرات من غير ضرورة طبع الله على قلبه))، وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله قال: ((لقد هممت أن أحرِّق بيوت أقوامٍ لا يشهدون الجمعة)).
فهذه الأحاديث تفيد الوعيد الشديد لمن تهاون في أداء هذا الفرض العظيم، فالعناية كل العناية بهذا الواجب، واعلم ـ أخي المسلم ـ أن الاهتمام به والحرص عليه من علامات الإيمان، والتخلف عن أدائه والتهاون فيه من علامات النفاق.
ويستثنى من إجابة نداء الجمعة المرأة والصبي والعبد والمريض والمسافر، ويلحق بهؤلاء الأصناف من كان على وظيفة ضرورية، كمصالح التطبيب والتمريض في المستشفيات، والحراسة والأمن والحماية، ولكن على أن يكون ذلك على التنواب، حتى لا يفوتهم فضل الجمعة.
ويحرم البيع إذا نودي للصلاة يوم الجمعة كما أخبرتعالى، وأيّ مال دخل بعد نداء الجمعة كان كسبا خبيثا ومالا حراما، ولا يفوتني أن أنبه على ما يفعله بعض الناس أنه إذا حان وقت الجمعة يترك على بضاعته أو دكانه خادما لا يصلي أو صبيا لم يبلغ الحلم ليقوم مقامه في البيع ظنا منه أن ذلك لا يدخل في التحريم، وهذا في الحقيقة أشبه بحيلة بني إسرائيل والعياذ بالله.
واعلم ـ أخي المسلم ـ أن صلاتك يوم الجمعة، كفارة لما بينها وبين الجمعة الأخرى، يقول : ((الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر)).
ولقد ندب النبي المسلم أن يجتهد في التبكير إلى الجمعة، لما في ذلك من الفضل العظيم، فإن الملائكة يوم الجمعة يجلسون عند أبواب المسجد، يكتبون الأول فالأول، فإذا أتى الإمام طوَوا صحفَهم واستمعوا الذكر، قال : ((من اغتسل يوم الجمعة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرّب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرّب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرّب كبشًا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرّب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرّب بيضة، فإذا دخل الإمام طُويت الصحف وحضرت الملائكة يستمعون الذكر))، وقال : ((يدنو المؤمنون من ربهم يوم القيامة على قدر قربهم من الإمام)). فيا أخي المسلم، لا تفوِّت على نفسك هذا الفضل العظيم، واحرص على التبكير قدر الاستطاعة.
واحذر ـ أخي المسلم ـ من معوِّقاتٍ تعوقك عن التبكير، فمنها السهر في ليلة الجمعة، وربما يسهر الواحد إلى طلوع الفجر، ثم يستغرق معظم النهار نومًا، فعساه أن يستيقظ للفريضة ولو متأخّرًا، وبعضهم ربما يستغرق في نوم عميق، فتفوته الجمعة، فتحصل له الخسارة الكبيرة.
ومما ينبغي على المسلم أن يعلمه، فكما أن الله عزوجل جعل لهذا اليوم فضلا وشرفا، وأن الأعمال الصالحة فيه لها مزية وأجر على غيرها في سائر الأيام، فكذلك ليوم الجمعة حرمته عند الله، فالذي يعصي الله ويقصد يوم الجمعة بنوع من أنواع الذنوب والمعاصي فإثمه ووزره أعظم من الذي يعصيه في غيره من الأيام لانتهاكه لحرمة هذا اليوم.
أيها المسلمون، يجب أن نعتز بهذا اليوم المبارك، وأن تسري عظمته في قلوبنا، وأن لا ننسى حسد اليهود لنا عليه، وأن نستغل ما جاء فيه من الفضائل العظام وأنه يوم عبادة وعيد وفرح جعله الله لأمة الإسلام، وأن نسعى في تحبيبه لأبنائنا وأهالينا بإدخال السرور عليهم والتيسير عليهم، حتى لا نكون كبعض الناس ممن لم يعرفوا للجمعة قدرا ولا فضلا، ولا عبادة ولا فرضا، يتضجرون من يوم الجمعة، ويعتبرونه يوما بطيئا وثقيلا، يسبّب لهم الكآبة والقلق والملل، وقد طالب البعض منهم لأسباب واهية بنقل عطلة آخر الأسبوع من الخميس والجمعة إلى السبت والأحد، فهؤلاء لم يعرفوا للجمعة فضلا ولا قدرا، والله المستعان.
يقول العلامة ابن القيم رحمه الله: "إن يوم الجمعة هو اليوم الذي يُستحب أن يُتفرّغ فيه للعبادة، وله على سائر الأيام مزيةٌ بأنواع العبادات واجبة ومستحبة، فالله سبحانه جعل لأهل كل ملةٍ يومًا يتفرغون فيه للعبادة، ويتخلَّون فيه عن أشغال الدنيا، فيوم الجمعة يومُ عبادة، وهو في الأيام كشهر رمضان في الشهور، وساعةُ الإجابة فيه كليلة القدر في رمضان، ولهذا من صح له يومُ جمعتِه وسلِم سلمت له سائرُ جمعتِه، ومن صح له رمضان وسَلِم سَلِمت له سائر سَنَتِه، ومن صحت له حَجَتُه وسَلِمَت له صح له سائرُ عُمرِه، فيوم الجمعة ميزان الأسبوع، ورمضان ميزان العام، والحج ميزان العمر"
أيها المؤمنون وهناك بعض الأمور التي يجب أن نتنبه لها وهي
ولاً: إذا دخلت والإمام يخطب فإنه لا يجوز لك أن تجلس حتى تصلي ركعتين خفيفتين لقوله عليه الصلاة والسلام: ((إذا جاء أحدكم يوم الجمعة وقد خرج الإمام، فليصل ركعتين))، متفق عليه، وزاد مسلم: ((وليوجز فيهما)).
ثانيا: لا يجوز السفر يوم الجمعة إذا دخل وقتها بزوال الشمس، لمن يلزمه أداؤها، ويكره السفر قبل الزوال إلا أن كان سيؤديها في طريقه في جامع آخر.
ثالثا: إياك أن تتخطى رقاب الناس إذا حضرت متأخراً، فقد رأى رسول الله النبي وهو على المنبر رجلاً يتخطى رقاب الناس فقال له: ((اجلس، فقد آذيت وآذيت)).
رابعاً: ليست هناك راتبة قبلية لصلاة الجمعة، بل يتنفل المسلم بما شاء من الصلاة، حتى يحضر الإمام، أما البعدي، فهناك إما أربع في المسجد أو ركعتان في البيت.
خامساً: عن أبى هريرة رضي الله عنه، كما في الصحيحين عن النبي قال: ((إن في الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه)) فاحرص يا عبد الله أن توافق هذه الساعة، وقيل إنها في آخر ساعة بعد العصر من يوم الجمعة، فأكثر فيها من الدعاء لنفسك، ولإخوانك المسلمين، فإن واقع الأمة اليوم وإن أحوال المسلمين الآن لهو في أمس الحاجة إلى دعوات صادقات، تخرج من قلب مخلص، يتألم، ويتفطر لواقع أمته، وما يجري فيها، وما يدار حولها، والله المستعان، فلعلك أخي المسلم تصادف ساعة إجابة يكون فيها الخير لك ولغيرك.
سادساً: لا تكن من الذين لا يعرفون يوم الجمعة إلا أنه يوم الراحة الأسبوعية كما يسميه البعض، يوم التنـزه، ويوم عطلة وفراغ، يقضيه في اللهو واللعب، وربما في المعاصي والعياذ بالله، يسهر ليلة وينام نهاره، إن هذا ليس من الإسلام في شيء، في الإسلام يوم الجمعة، يوم عبادة، ويوم طاعة أكثر من أيام الأسبوع الباقية، فمن لا يعرف هذا فليصحح مفهومه، وليغير تصوره، ثم ليتغير بعد ذلك سلوكه.
وبعض الناس ينفرون من البلد إلى البراري والخلوات، يوم الجمعة، ولا يحضرون الصلاة وقد نص العلماء كما ذكرنا أنه لا يجوز السفر في يوم الجمعة لمن تلزمه الصلاة بعد دخووول وقتها، وذلك حين تزول الشمس حتى يصليها إلا إذا كان سيؤديها في مسجد في طريقه، هذا حكم السفر الذي قد يكون الإنسان محتاجاً إليه، فكيف بمن يخرج من البلد في هذا اليوم لتضييع الوقت والتغيب عن الصلاة، فاتقوا الله أيها المسلمون، اتقوا الله تعالى، خصصوا للخروج والنـزهة يوماً غير الجمعة، وإذا خرجتم فاحرصوا على أداء الصلاة فيما حولكم من المساجد ولا تفرطوا فيها.
سابعاً: يكره تخصيص يوم الجمعة بصيام أو ليلته بصلاة من بين الليالي، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال: ((لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم))، رواه مسلم، وعن أم المؤمنين جويرية بنت الحارث رضي الله عنها أن النبي دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة فقال: ((أصمت أمس)) قالت: لا. قال: ((أتريدين أن تصومي غداً؟)) قالت: لا، قال: ((فأفطري)) رواه البخاري. 
ثامناً: ثبت عن الرسول أنه كان يقرأ في صلاة الجمعة بسبح اسم ربك الأعلى وهل أتاك حديث الغاشية، وربما قرأ بالجمعة والمنافقون.
تاسعاً: فهذه مجموعة أحاديث أنتقيتها لك من صحيح البخاري كلها تتعلق بالجمعة: عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: قال النبي : ((لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر ويدهن من دهنه أو يمس من طيب بيته ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له ثم ينصت إذا تكلم الإمام، إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى)). وعن ابن عباس أنه قال: ((إن أول جمعة جمعت بعد جمعة في مسجد رسول الله في مسجد عبد القيس بحواثي من البحرين)) يقصد بها منطقة الاحساء حالياً، كانت تسمى سابقاً وما حولها بالبحرين.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن النبي كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس وعن ابن شهاب أن السائب بن يزيد أخبره أن التأذين الثاني يوم الجمعة أمر به عثمان حين كثر أهل المسجد وكان التأذين يوم الجمعة حين يجلس الإمام، وعند جابر بن عبد الله قال: جاء رجل والنبي يخطب الناس يوم الجمعة، فقال: ((أصليت يا فلان؟)) قال: لا، قال: ((قم فاركع)) يدل على أنه يجوز للإمام أن يخاطب ويكلم أحداً أثناء الخطبة.
وعن أبي حازم عن سهل قال: (كانت فينا امرأة تجعل على أربعاء في مزرعة لها سلقا، فكانت إذا كان يوم الجمعة تنزع أصول الـسلق، فتجعله في قدر ثم تجعل عليه قبضة من شعير تطحنها فتكون أصول السلق عـرقـه، وكنا ننصرف من صلاة الجمعة فنسلم عليها، فتقرب ذلك الطعام إلينا فنلعقه وكنا نتمنى يوم الجمعة لطعامـها ذلك).
منقووووووووووول
بارك الله فيكي


لا شماته في الموت
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
خطبة الجمعه
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 2 من اصل 2انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
سنا مصر :: ๑۩۞۩๑๏الأقـــســـام الأســلامــيـــه๏๑۩۞‏۩๑ :: ❤▒█░قسم المنتدى الأسلامى❤▒█-
انتقل الى:  
الساعة الأن بتوقيت (مصر)
جميع الحقوق محفوظة لـسنا مصر
 Powered by ®https://snamasr.ahlamontada.com
حقوق الطبع والنشر©2011 - 2010